فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 177641 من 466147

ومن جهله أيضا أنّا لم نجده يحرس المحسنين إليه بنباحه، وأربابه الذين ربّوه وتبنّوه إلا كحراسته لمن عرفه ساعة واحدة، بل لمن أذلّه وأجاعه وأعطشه.

بل ليس ذلك منه حراسة، وإنّما هو فيه من فضل البذاء أو الفحش، وشدّة التحرّش والتسرّع. وقد قال الشاعر في ذلك: [من الرجز]

إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور

أبذى إذا بوذيت من كلب ذكر ... أسود قزّاح يعوّي في السّحر

وإنّما ذلك شكل من شكل الجبن، وكالذي يعتري نساء السّفلة من الصخب.

[جبن الكلب]

والكلب جبان وفيه جرأة ولؤم. ولو كان شجاعا وفيه بعض التهيّب كان أمثل.

ومن فرط الجبن أنّه يفزع من كلّ شيء وينبحه.

والبرذون ربّما رمح البرذون مبتدئا، وقلق وصهل صهيلا في اختلاط، وليس ذلك من فضل قوّة يجدها في نفسه على المرموح، ولكنّه يكون جبانا، فإذا رأى البرذون الذي يظنّ أنّه يعجز عنه أراه الجبن أنّه واقع به، فعندها يقلق وإذا قلق رمح.

وهذه العلّة تعرض للمجنون فإنّ المجنون الذي تستولي عليه السّوداء، ربما وثب على من لا يعرفه. وليس ذلك إلّا لأنّ المرّة أو همته أنّه يريده بسوء، وأنّ الرأي أن يبدأه بالضرب. وعلى مثل ذلك يرمي بنفسه في الماء والنار.

[عود إلى الحديث عن الكلب]

ثم قال أبو إسحاق: إن أطعمه اللصّ بالنهار كسرة خبز خلّاه، ودار حوله ليلا.

فهو في هذا الوجه مرتش وآكل سحت وهو مع ذلك أسمج الخلق صوتا، وأحمق الخلق يقظة ونوما، وينام النّهار كله على نفس الجادّة، وعلى مدقّ الحوافر، وفي كل سوق وملتقى طريق، وعلى سبيل الحمولة وقد سهر الليل كله بالصياح والصّخب، والنّصب والتّعب، والغيظ والغضب، وبالمجيء والذّهاب، فيركبه من حبّ النوم على حسب حاجته إليه، فإن وطئته دابّة فأسوأ الخلق جزعا وألأمه لؤما، وأكثره نباحا وعواء، فإن سلم ولم تطأه دابّة ولا وطئه إنسان، فليست تتمّ له السلامة لأنّه في حال متوقّع للبليّة. ومتوقّع البليّة في بليّة. فإن لم يسلم فليس على ظهرها مبتلى أسوأ حالا منه لأنّه أسوؤهم جزعا، وأقلّهم صبرا، ولأنّه الجاني ذلك على نفسه، وقد كانت الطّرق الخالية له معرضة، وأصول الحيطان مباحة.

وبعد فإنّ كلّ خلق فارق أخلاق النّاس فإنّه مذموم. والناس ينامون بالليل الذي جعله الله تعالى سكنا، وينتشرون بالنّهار الذي جعله الله تعالى لحاجات الناس مسرحا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت