لكن نجد في أخوة الأم حناناً ظاهراً ، ويقل الحنان بين الأخوة من الأب . وجاء الحق هنا بالقدر المشترك بينهما - موسى وهارون - وهو أخوة الأم ، وله وجود مستحضر في تاريخهم . أما الأب عمران فنحن لا نعرف عنه شيئاً ، وكل الآيات التي جاءت عن موسى متعلقة بأمه ، لذلك نجد أخاه هارون يكلمه بالأسلوب الذي يحننه: {قَالَ ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي} .
وما دام قد قال: {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي} فهذا دليل على أنه وقف منهم موقف المعارض والمقاوم الذي أدى ما عليه إلى درجة أنهم فكروا في قتله ، ويتابع الحق بلسان هارون: {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعدآء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين} .
والشماتة هي إظهار الفرح بمصيبة تقع بخصم ، والأعداء هم القوم الذين اتخذوا العجل ، وقد وصفهم بالأعداء كدليل على أنه وقف منهم موقف العداوة ، وأن موقف الخلاف بين موسى وهارون سيفرحهم ، وقوله: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} . . إجمال للرأس في عمومها ، وفي آية أخرى يقول: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} .
ولقد صنع موسى ذلك ليسمع العذر من هارون ؛ لأنه يعلم أن هارون رسول مثله ، وأراد أن يسمعنا ويسمع الدنيا حجة أخيه حين أوضح أنه لم يقصر . قال: إن القوم استغضعفوني لأني وحدي وكادوا يقتلونني ، مما يدل على أنه قاومهم مقاومة وصلت وانتهت إلى آخر مجهودات الطاقة في الحياة ؛ حتى أنهم كادوا يقتلونه ، إذن فهو لم يوافقهم على شيء ، ولكنه قاوم على قدر الطاقة البشرية ، لذلك يذيل الحق الآية بقوله سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين} .