الثانية وقد استدل بعض جُهّال المتصوّفة بهذا على جواز رَمْي الثياب إذا اشتد طربُهم على المَغْنَى.
ثم منهم من يرمي بها صِحاحاً ، ومنهم من يَخْرقها ثم يرمي بها.
قال: هؤلاء في غيبة فلا يُلامون ؛ فإن موسى عليه السلام لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجلَ ، رمى الألواح فكسرها ، ولم يدر ما صنع.
قال أبو الفرج الجَوْزِيّ: من يصحّح عن موسى عليه السلام أنه رماها رَمْيَ كاسر؟ والذي ذُكر في القرآن ألقاها ، فمن أين لنا أنها تكسرت؟ ثم لو قيل: تكسرت فمن أين لنا أنه قصد كسرها؟ ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا كان في غيبة ، حتى لو كان بين يديه بحر من نار لخاضه.
ومَن يصحّح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغنى من غيره ، ويحذرون من بئر لو كانت عندهم.
ثم كيف تقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء.
وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال: خطأ وحرام ؛ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.
فقال له قائل: فإنهم لا يعقلون ما يفعلون.
فقال: إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطَّرب يغلِب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما أدخلوه على أنفسهم من التخريق وغيره مما أفسدوا ، ولا يسقط عنهم خطاب الشرع ؛ لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنّب هذا الموضع الذي يُفضِي إلى ذلك.
كما هم منهِيُّون عن شرب المسكر ، كذلك هذا الطَّرَب الذي يسميه أهل التصوف وَجْداً إن صدقوا أن فيه سُكْرَ طبع ، وإن كذبوا أفسدوا مع الصَّحْو ، فلا سلامة فيه مع الحالين ، وتجنّب مواضع الرِّيَب واجبٌ.
قوله تعالى: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} أي بلحيته وذؤابته.
وكان هارون أكبر من موسى صلوات الله وسلامه عليهما بثلاث سنين ، وأحبّ إلى بني إسرائيل من موسى ؛ لأنه كان لَيِّن الغضب.
وللعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربعة تأويلات: