نحن نعلم أن"حب الطعام"غريزة ، ولكن يجب ألا يصل حب الطعام إلى مرتبة النهم والشره . وأيضاً"بقاء النوع"أو المتعة الجنسية أوجدها الحق من أجل بقاء النوع . لكن لا يصح أن تتحول إلى درجة الشرود والوقوع في أعراض الناس وانتهاك حرماتهم ، وحب الاستطلاع غريزة ، والذين اكتشفوا الكشوف العلمية جاءت أعمالهم من حب استطلاعهم على أسرار الوجود . لكن لا يصح ولا ينبغي أن يصل حب الاستطلاع إلى التجسس الاستذلالي .
إن للإِنسان غرائز يعليها الشرع ؛ أمَّا الحب فهو مسألة عاطفية . فالمشرع ، يقول لك: أحبب من شئت وأبغض من شئت ، ولكن لا تظلم من أبغضته ولا تظلم الناس لحساب من أحببت .
ولنا في رسول الله أسوة حسنة حين قال:
"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين".
فقال عمر: كيف؟ .
وكررها رسول الله فعلم عمر - رضي الله عنه - بفطرته أن ذلك أمر تكليفي .
وعرف أن الحب المراد هو الحب العقلي . فيقول المؤمن لنفسه: من أنا لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ . وكل مؤمن يحب رسول الله حبًّا عقليًّا ، وقد يتسامى إلى أن يصير حبًّا عاطفيًّا . والإِنسان منا - كما قلنا سابقاً - يحب الدواء بعقله لا بعاطفته لأنه مُرّ ، ولكنه يغضب إن اختفى الدواء من الأسواق ويفرح بمن يأتي له به .
إذن التكليف يتطلب الحب العقلي . ومن أخبار سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما مرّ أمامه قاتل أخيه زيد بن الخطاب فقال له عمر: ازو نفسك عني فأنا لا أحبك ، فرد الرجل بكل جرأة إيمانية: أو عدم حبك لي يمنعني حقًّا من حقوقي؟ . قال عمر: لا ، قال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء .
والحق يقول هنا: {يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} فمثلاً ، حين يُقْتَلُ إنسان فلولي الدم أن يقتص ، لكن الحق يحنن قلب ولي الدم على القاتل فيقول: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف ...} [البقرة: 178]