إِنِّي كُنْتُ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ مُتَحَيِّرًا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: مَسْأَلَةُ الصِّفَاتِ ، وَمَسْأَلَةُ الْفَوْقِيَّةِ ، وَمَسْأَلَةُ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ، وَكُنْتُ مُتَحَيِّرًا فِي الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْعَصْرِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ وَتَحْرِيفِهَا ، أَوْ إِمْرَارِهَا وَالْوُقُوفِ فِيهَا ، أَوْ إِثْبَاتِهَا بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَمْثِيلٍ ، فَأَجِدُ النُّصُوصَ فِي كِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاطِقَةٌ مُنْبِئَةٌ بِحَقَائِقِ هَذِهِ الصِّفَاتِ ، وَكَذَلِكَ فِي إِثْبَاتِ الْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ ، ثُمَّ
أَجِدُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي كُتُبِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ يُؤَوِّلُ الِاسْتِوَاءَ بِالْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ ، وَيُؤَوِّلُ النُّزُولَ بِنُزُولِ الْأَمْرِ ، وَيُؤَوِّلُ الْيَدَيْنِ بِالْقُدْرَتَيْنِ أَوِ النِّعْمَتَيْنِ ، وَيُؤَوِّلُ الْقَدَمَ بِقَدَمِ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَجِدُهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُونَ كَلَامَ اللهِ - تَعَالَى - مَعْنًى قَائِمًا بِالذَّاتِ بِلَا حَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ ، وَيَجْعَلُونَ هَذِهِ الْحُرُوفَ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ .