وأما الأفعال: مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} المراد منه الشبهات الناشئة عن التعطيل ، وإنما جعلنا قوله: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} لشبهات التشبيه ، لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها ، فهي حاضرة بين يديه ، فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساوياً لهذا الشاهد ، وإنما جعلنا قوله: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} كناية عن التعطيل ، لأن التشبيه عين التعطيل ، فلما جعلنا قوله: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} كناية عن التشبيه وجب أن نجعل قوله: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} كناية عن التعطيل.
وأما قوله: {وَعَنْ أيمانهم} فالمراد منه الترغيب في ترك المأمورات {وَعَن شَمَائِلِهِمْ} الترغيب في فعل المنهيات.
وثالثها: نقل عن شقيق رحمه الله أنه قال: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع ، من بين يدي ومن خلفي ، وعن يميني وعن شمالي.
أما من بين يدي فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم.
فاقرأ {وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالحا} [طه: 82] وأما من خلفي: فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر ، فاقرأ {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا} [هود: 6] وأما من قبل يميني: فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ {والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] وأما من قبل شمالي: فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54] .
والقول الثاني: في هذه الآية أنه تعالى حكى عن الشيطان ذكر هذه الوجوه الأربعة ، والغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة ، ولا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة ألبتة.
وتقدير الآية: ثم لآتينهم من جميع الجهات الممكنة بجميع الاعتبارات الممكنة.