أي: إن رحمته في الدنيا وسعت المؤمن والكافر، كذلك رحمته الرحمانية حكمها
في الدنيا أن تسع المؤمنين والكافرين، لينال كل حظه المقدر له في أم الكتاب، فإذا
جاء وعد الآخرة، أو أخذه بالإهلاك من شاء، فلا يرد بأسه عن القوم المجرمين.
كذلك تقول الملائكة على جميعهم السلام:(رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً
وَعِلْمًا)فإذا كان يوم القيامة قصرت رحمته على عباده المؤمنين، وغضبه
على أعدائه الكافرين، نعوذ بالله من غضبه وعذابه.
قوله - جلَّ جلالُه -: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ
شَيْءٍ ... (148) .
نطيرتها في سورة النحل:(لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا
آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ).
وبمعناها في سورة يس: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) .
ذكر بعض من فسرها المعنى: إنهم لو قالوها بحقيقة من أنفسهم لكان ذلك
إيمانًا منهم، لكنهم قالوها على سبيل التهزي والسخرية بالمخاطين لهم، وربما كان
ذلك كما زعموه، ولهم جهة من الخطاب قوله: (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) .
والأوجه في مفهوم هذا الخطاب أنهم كانوا يعرفون أن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض، وراثة ورثوها عن آبائهم إبراهيم وإسماعيل، والمهتدين قبلهم
إلى معلوم الفطرة ومعهود ما جبلت عليه منهم الخلقة.
قال الله عزَّ من قائل: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28) .
وقال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) لكنهم أفكوا عن
هذه الحقيقة بضلالتهم، وحجبوا عن معهودها، وظلوا على ذلك في ضلالتهم
يترددون، وفي طغيانهم يعمهون، فإذا ألزمهم ضيق الاضطرار، ورجعوا إلى الحق