وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُخْتَلِفَتَيْهِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ فِي الْإِعْرَابِ وَالْمَعْنَى. وَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا، لِأَنَّهُ يَسْكُنُ فِيهِ كُلُّ مُتَحَرِّكٍ بِالنَّهَارِ، وَيَهْدَأُ فِيهِ فَيَسْتَقِرُّ فِي مَسْكَنِهِ وَمَأْوَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِي أَفْلَاكِهِمَا بِحِسَابٍ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا}
يَعْنِي: «عَدَدَ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ضِيَاءً
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ وَعَدَدٍ لِبُلُوغِ أَمْرِهِمَا وَنَهَايَةِ آجَالِهِمَا، وَيَدُورَانِ لِمَصَالِحِ الْخَلْقِ الَّتِي جُعِلَا لَهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ قَبْلَهُ أَيَادِيهِ عِنْدَ خَلْقِهِ وَعِظَمَ سُلْطَانِهِ، بِفَلْقِهِ الْإِصْبَاحَ لَهُمْ وَإِخْرَاجَ النَّبَاتِ وَالْغِرَاسِ مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ خَلْقَ النُّجُومِ لِهِدَايَتِهِمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَكَانَ وَصْفُهُ إِجْرَاءَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِمَنَافِعِهِمْ أَشْبَهَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ ذِكْرِ إِضَاءَتِهِمَا لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَ ذَلِكَ قَبْلَ قَوْلِهِ: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِهِ مَرَّةً أُخْرَى فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ لِغَيْرِ مَعْنًى. وَالْحُسْبَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: جَمْعُ حِسَابٍ، كَمَا الشُهْبَانُ جَمْعُ شِهَابٍ،
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحُسْبَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: حَسَبْتُ الْحِسَابَ أَحْسُبُهُ حِسَابًا وَحُسْبَانًا.