فالوجه أنّ المراد أنّ بعض المشركين نسبوا لله البنين وهو الّذين تلقّنوا شيئاً من المجوسيّة لأنّهم لمّا جعلوا الشّيطان متولّداً عن الله تعالى إذ قالوا إنّ الله لمّا خلق العالم تفكّر في مملكته واستعظمها فحصل له عُجب تولّد عنه الشّيطان، وربّما قالوا أيضاً: إنّ الله شكّ في قدرة نفسه فتولّد من شكّه الشّيطانُ، فقد لزمهم أنّ الشّيطان متولّد عن الله تعالى عمّا يقولون، فلزمهم نسبة الابن إلى الله تعالى.
ولعلّ بعضهم كان يقول بأنّ الجنّ أبناء الله والملائكة بنات الله، أو أنّ في الملائكة ذكوراً وإناثاً، ولقد ينجرّ لهم هذا الاعتقاد من اليهود فإنّهم جعلوا الملائكة أبناء الله.
فقد جاء في أوّل الإصحاح السّادس من سفر التّكوين"وحدث لَمَّا ابتدأ النّاس يكثرون على الأرض ووُلد لهم بنات أنّ أبناءَ الله رأوا بنات النّاس أنّهن حسَنات فاتَّخذوا لأنفسهم نساء من كلّ ما اختاروا وإذ دخل بنو الله على بنات النّاس ووَلَدْن لهم أولاداً هؤلاء هم الجبابرة الّذين منذ الدّهر ذوو اسم".
وأمّا نسبتهم البنات إلى الله فهي مشهورة في العرب إذ جعلوا الملائكة إناثاً، وقالوا: هنّ بنات الله.
وقوله {بغير علم} متعلّق بـ {خرّقوا} ، أي اختلقوا اختلاقاً عن جهل وضلالة، لأنّه اختلاق لا يلتئم مع العقل والعِلم فقد رموا بقولهم عن عمى وجهالة.
فالمراد بالعلم هنا العلم بمعناه الصّحيح، وهو حُكمُ الذّهننِ المطابقُ للواقع عن ضرورةٍ أو برهاننٍ.
والباء للملابسة، أي ملابساً تخريقُهم غيرَ العلم فهو متلبّس بالجهل بدءاً وغاية، فهم قد اختلقوا بلا داع ولا دليل ولم يجدوا لما اختلقوه ترويجاً، وقد لزمهم به لازمُ الخَطل وفسادِ القول وعدممِ التئامه، فهذا موقع باء الملابسة في الآية الّذي لا يفيد مُفادَه غيرُه. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 6 صـ}