وإذا كان ذلك مقام رسالته، فقد أوجب الله سبحانه وتعالى الدعوة إليها: لأنها الكمال البشري، وأنه لَا يريد منهم جزاء ولا شكورا؛ ولذا قال تعالى مخاطبا نبيه: (قُل لَا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) لَا أريد منكم أي أجر من مال أو جاه أو سلطان لقد ظنوا بادي رأيهم أنه يريد مالا فعرضوا عليه مالهم، أو يريد السلطان فيسودوه عليهم، فبين الله لنبيه أن يقول لهم إن شيئا من أعراض الدنيا لا يريدها، ولكن يريد الإصلاح والتذكير بالله واليوم الآخر (إِنْ هُوَ إِلَّا ذكْرَى لِلْعَالَمِينَ) .
إن المقصود من إنزال الله تعالى القرآن على نبيه الكريم ليس مالا يأخذ، ولا سلطانا يفرضه، ولا سيادة يطلبها وإنما جاء للذكرى والموعظة والهداية للعالمين أي للعقلاء أجمين، فهو ذكرى لهم بما فيه صلاحهم، وقيام أمرهم، ونشر العدالة، وذكرى لهم باليوم الآخر، وما فيه من حساب وعقاب، وذكرى ربهم بأن يكونوا دائما ذاكرين، أي تذكر دائم لله تعالى، وفي ذكر الله طب للقلوب من أدوائها.
وإن ذكر هؤلاء الأنبياء ونسبتهم إلى إبراهيم - عليه السلام - تذكير لعرب مكة ومن حولها بالنبوة الأولى نبوة نوح أولا، ونبوة إبراهيم أبيهم الذي ينتسبون إليه ثانيا، وتعليمهم أن الله يرسل أنبياء ورسلا، ولا يصح أن يكفروا بإرسال الله تعالى، والعرب وقت بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كلامهم ينبئ عن أنهم لَا يؤمنون برسالة ولا رسول، وجابهوا النبي - صلى الله عليه وسلم - منكرين أصل الرسالة مستغربين لها، قال تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ. . .) ، وقال تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا(94) .
وأنكر اليهود أن يكون محمد رسولا زاعمين أن الرسالة فيهم.
ولذلك نزل قوله تعالى ردا على كل من أنكر أن يرسل الله بشرا رسولا، وعلى من أنكر أن تكون الرسالة في غير بني إسرائيل؛ ولذا قال تعالى:
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّه عَلَى بَشَرٍ من شَىْء) . انتهى انتهى {زهرة التفاسير} ...