كان المشركون ينكرون أصل النبوة، فالإشارة في قوله تعالى: (فَإِن يَكْفرْ بِهَا هَؤُلَاءِ) هو الإشارة إلى قوم النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين أنكروا نبوته، وحاربوا رسالته، وآذوه هو والمستضعفين من المؤمنين، وصابرهم حتى كانت الهجرة وهذه السورة مكية، فتعينت الإشارة إلى من ناوءوا الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله تعالى: (فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ) شرط جوابه: (فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) ومعنى وكلنا، عهدنا إلى قوم من بعد كفركم يحفظونها، ويصونونها، وينقلونها للأخلاف من بعدهم جيلا بعد جيل، فيقال: وكلت فلانا بهذا الأمر أي عهدت به إليه يقوم عليه، ويحافظ.
وهؤلاء الأقوام الذين وكل الله بهم أمر النبوة المحمدية، ليسوا كافرين بها، بل يؤمنون ويصدقون، وقدم الجار والمجرور وهو (بها) على (كافرين) ، للاهتمام، والتنبيه.
وإن هذا النص، فيه تبشير للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين بأن عهد الظلم والإيذاء سيأتي بعده عهد النصرة والقوة، وفيه تبشير للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن هذا سينتشر بين الناس، وستخالف فيه الأقوام، ولن يكون مقصورا على العرب، بل يتجاوزهم إلى الفرس والرومان والشام ومصر، وسيعتنقه الأبيض والأسود، وكل من له في الدعوة إليه فضل عظيم.
وأكد الله سبحانه وتعالى ذلك بـ (قد) ، وأكد إيمان أولئك الذين سينصرونها بأنهم ليسوا بها بكافرين فنفى عنهم الكفر نفيا مؤكدا مستغرقا شاملا.
(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ(90)
بعد أن ذكر سبحانه وتعالى الأنبياء من ذرية إبراهيم ومن قبله، وما اختص به بعضهم من الصبر وشكر النعمة، والعدالة في القوة، وبعضهم من الزهد، والروحانية، وبعضهم من الصدق في القول والوعد، بين الله تعالى أن أولئك الأنبياء نالوا هدى الله، وصبروا على أقوِامهم، وأنه حق على محمد خاتم النبيين أن يقتدى بهم فقال تعالى:
(أُوْلَئِكَ الَّذِين هَدَى اللَّهُ) .