وإن الله تعالى اختار إبراهيم أبا الأنبياء لتقوم به الحجة؛ لأنه لم يخلق الناس في الفكر والعلم على سواء فمنهم الهادي المرشد، الذي اختاره الله تعالى ليكون رسول الحق إلى الناس، ورسوله إليهم، ومنهم الضال الذي يطلب الهداية ومنهم من أركس في الشر، وختم الله على بصيرته وسمعه وبصره، فلا يدرك حقا، ولا يستمع لداعي الحق؛ ولذا قال تعالى: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) الدرجات المراتب العالية في الهداية والتوفيق، وعبر سبحانه وتعالى بالمضارع"نرفع"لتجدد الرفعة المستمرة، فالوجود الإنساني يستمر الخير فيه بوجود الهداة المرشدين، والمستمعين الأخيار الذين يستمعون فيقولون سمعنا وأطعنا، وبجوار هؤلاء أولئك الذين يستمعون طيب القول، فيقولون سمعنا وعصينا، وبذلك يتفاعل الخير والشر في هذه الحياة، وسيق لبيان العاقبة للمتقين، قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ(269) .
وقد ختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) . إن الله الذي رباك وقام على نفسك وعلى عقلك، وهدى الأنفس فجورها وتقواها، وعلمك ما لم تكن تعلم، عليم بكل شيء، حكيم يضع كل شيء بميزان، وله فيما يشاء ويختار الحكم والعبر البالغات، تبارك الله رب العالمين.
أبو الأنبياء
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(84)
بعد أن بين الله تعالى هداية إبراهيم - عليه السلام - والتفكير المستقيم الذي هداه إلى ربه، وأن الله رفعه بذلك الإدراك المستقيم، ليكون هاديا مرشدا، ذكر الله سبحانه وتعالى ذريته من النبيين الهداة المهديين من بني إسرائيل، ومن العرب، وأشار سبحانه إلى من سبقه من النبيين، فذكر نوحا، وهو من قبله.