بِهِ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جُعْلًا مِنْكُمْ ، وَلَكِنْ مَوَدَّةَ الْقَرَابَةِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُحْفَظَ ، وَهِيَ دُونُ مَا جَرَيْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَصَبِيَّةِ النَّسَبِ وَلَوْ بِالْبَاطِلِ ، فَإِنَّ مِنْ تِلْكَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَحْمَى الْقَرِيبُ قَرَابَتَهُ وَأَهْلَ نَسَبِهِ وَيُقَاتِلَ مَنْ عَادَاهُمْ ، وَإِنِّي أَكْتَفِي مِنْكُمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَقَلُّهَا أَنْ لَا تُعَادُونِي وَلَا تُؤْذُونِي ، وَأَعْلَاهَا أَنْ تَمْنَعُونِي وَتَحْمُونِي مِمَّنْ يُؤْذِينِي . وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْأَجْرِ عَلَى التَّبْلِيغِ فِي شَيْءٍ ، فَإِنَّمَا يُعْطَى الْأَجْرُ عَلَى الشَّيْءِ مَنْ يَقْبَلُهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ فَيُكَافِئُ صَاحِبَهُ بِمَنْفَعَةٍ تُوَازِيهِ أَوْ لَا تُوَازِيهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقَلِّ الْمَوَدَّةِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، وَقِيلَ الْآيَةُ غَيْرُ ذَلِكَ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِلَّا أَنْ تَوَدُّوا الْأَقَارِبَ وَتَصِلُوا الْأَرْحَامَ بَيْنَكُمْ ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّهَا فِي الْأَنْصَارِ . وَقَوْلِ آخَرِينَ: إِنَّهَا فِي آلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ تُوجِبُ مَوَدَّتَهُمْ وَمُوَالَاتَهُمْ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ حُبَّهُمْ وَوُدَّهُمْ وَوَلَاءَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَأَنَّ بُغْضَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ أَوِ النِّفَاقِ ، وَلَكِنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَطْلُبْ مِنَ الْأُمَّةِ بِأَمْرِ اللهِ أَنْ تَجْعَلَ هَذَا أَجْرًا لَهُ عَلَى تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ وَالْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ ، بَلْ أَجْرُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ إِخْوَانِهِ الرُّسُلِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي آيَاتٍ أُخْرَى ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ إِنْ