عَلَى الْفِطْرَةِ وَبَيْنَ بَعْثَةِ نُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلَى مَنْ فَسَدَتْ فِطْرَتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي الدِّينِ الْفِطْرِيِّ وَفِي الْكِتَابِ الْإِلَهِيِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالضَّالِّينَ مِنْ أَتْبَاعِ نَبِيٍّ سَابِقٍ فَأَعْرَضُوا عَمَّا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، بِأَنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الْهِدَايَةُ الْأَخِيرَةُ هِيَ الرِّسَالَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي يُسَمَّى مَنْ جَاءُوا بِهَا رُسُلًا دُونَ الْأُولَى ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ عِدَّةِ أَجْوِبَةٍ مِمَّا نُقِلُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي رَفْعِ التَّعَارُضِ بِتَوْضِيحٍ قَلِيلٍ كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ رِسَالَةُ آدَمَ إِلَى بَنِيهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَرِسَالَةِ نُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى الْكَافِرِينَ ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ رِسَالَةُ آدَمَ إِلَى بَنِيهِ مِنْ قَبِيلِ تَرْبِيَةِ الْوَالِدِ لِأَوْلَادِهِ . وَفِيهِمَا أَنَّ تَسْمِيَتَهَا رِسَالَةً شَرْعِيَّةً بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنَ الْآيَاتِ هُوَ الَّذِي يُحَقِّقُ التَّعَارُضَ فَكَيْفَ يُجْعَلُ دَافِعًا لَهُ ؟ وَأَمَّا إِذَا أَثْبَتْنَا بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنَ الْآيَاتِ هُوَ الَّذِي يُحَقِّقُ التَّعَارُضَ فَكَيْفَ يُجْعَلُ دَافِعًا لَهُ ؟ وَأَمَّا إِذَا أَثْبَتْنَا مَا ذُكِرَ لِآدَمَ وَلَمْ نُسَمِّهِ رِسَالَةً بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ التَّعَارُضَ يَنْدَفِعُ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ كَمَا قُلْنَا وَتَصِحُّ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا وَيَكُونُ الْخِلَافُ أَشْبَهَ بِاللَّفْظِيِّ ، فَهُوَ رَسُولٌ بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ دُونَ الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ .