والإيماءُ إلى نبوءة جمع من الأنبياء والصّالحين، وبيان طريقة الجدل في تأييد الدّين، وأنّه ما جاء إلاّ كما جاءت مِلل تلك الرّسل، فلذلك ذيَّله الله بأمر رسوله أن يُذكِّر قومه بأنّه يذكِّرُهم.
كما ذكَّرتْ الرّسلُ أقوامهم، وأنّه ما جاء إلاّ بالنّصح لهم كما جاءت الرّسل.
وافتتح الكلام بفعل {قل} للتّنبيه على أهميّته كما تقدّم في هذه السّورة غير مرّة.
وقُدّم ذلك بقوله: {لا أسألكم عليه أجراً} أي لست طالبَ نفع لنفسي على إبلاغ القرآن، ليكون ذلك تنبيهاً للاستدلال على صدقه لأنّه لو كان يريد لنفسه نفعاً لصانعهم ووافقهم.
قال في"الكشاف"في سورة هود (51) عند قوله تعالى حكاية من هود {يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إنْ أجريَ إلاّ على الّذي فطَرنيَ أفَلا تعقلون} ما من رسول إلاّ واجه قومه بهذا القول لأنّ شأنهم النّصيحة والنّصيحة لا يمحّصها ولا يمحِّضُها إلاّ حَسم المطامع وما دام يتوهّم شيء منها لم تنفع ولم تنجع اهـ.
قلت: وحكى الله عن نوح مثل هذا في قوله في سورة [هود: 29] {ويَا قوم لا أسألكم عليه مَالاً إنْ أجريَ إلاّ على الله} وقال لرسوله أيضاً في سورة [الشّورى: 23] قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى.
فليس المقصود من قوله: لا أسألكم عليه أجراً ردّ اعتقاد معتقد أو نفي تهمة قيلت ولكن المقصود به الاعتبار ولفت النّظر إلى محض نصح الرّسول صلى الله عليه وسلم في رسالته وأنّها لنفع النّاس لا يجرّ منها نفعاً إلى نفسه.
والضمير في قوله: {عليه} وقوله: {إن هو} راجع إلى معروف في الأذهان؛ فإنّ معرفة المقصود من الضمير مغنية عن ذكر المعاد مثل قوله تعالى: {حتّى توارتْ بالحجاب} [ص: 32] ، وكما في حديث عُمر في خبر إيلاء النّبيء صلى الله عليه وسلم"فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فضرب بأبي ضرباً شديداً فقال: أثمّ هو"ألخ.
والتّقدير: لا أسألكم على التّبليغ أو الدّعاء أجراً وما دعائي وتبليغي إلاّ ذِكْرى بالقرآن وغيره من الأقوال.
والذّكرى اسم مصدر الذِكر بالكسر، وهو ضدّ النّسيان، وتقدّم آنفاً.
والمُراد بها هنا ذكر التّوحيد والبعث والثّواب والعقاب.
وجَعَل الدّعوة ذكرى للعالمين، لأنّ دعوته صلى الله عليه وسلم عامّة لسائر النّاس.
وقد أشعر هذا بأنّ انتفاء سؤال الأجر عليه لسببين: أحدهما: أنّه ذِكرى لهم ونصح لنفعهم فليس محتاجاً لِجَزاءٍ منهم، ثانيهما: أنّه ذكرى لغيرهم من النّاس وليس خاصّاً بهم. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 6 صـ}