هذا وقد وردت أحاديث صحيحة فسرت الظلم في هذه الآية بالشرك، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قال الصحابة: وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شق ذلك على الناس فقالوا يا رسول الله: فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: «إنه ليس الذي تعنون. ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إنما هو الشرك» .
قال الإمام الرازي: والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفى الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات فوجب حمل الظلم ها هنا على ذلك».
وقد فسر الزمخشري في كشافه الظلم بالمعصية فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس. أي: لأن لبس الإيمان بالشرك أي خلطه به مما لا يتصور لأنهما ضدان لا يجتمعان في رأى الزمخشري.
قال الشيخ القاسمي: وفهم الزمخشري هذا مدفوع بأنه يلابسه، لأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق سواء كان باللسان أو غيره فظاهر أنه يجامع الشرك كالمنافق. وكذا إن أريد تصديق القلب لجواز أن يصدق بوجود الصانع دون وحدانيته لما في قوله - تعالى -: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ.
ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر، فلا يلزم من لبس الإيمان بالكفر الجمع بينهما، بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك، بل تغطيته بالكفر وجعله مغلوبا مضمحلا، أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر مرارا».