ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص والأوساط والعوام ، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات . وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة ، فكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم . وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب ، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية ، أقصى ما في الباب أن يقال: إن لها تأثيرات في أحوال العالم السفلى ، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد الكل إلى الواجب سبحانه وهو الإله الأعظم القادر على خلق السماوات والنجوم النيرات ، فيجب أن يكون قادراً على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدإ بحال ، ويعلم من قوله {لا أحب الآفلين} أنه تعالى ليس بجسم وإلا كان غائباً عنا فكان آفلاً ، وإنه لا يصح عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة . وفيه أن معارف الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلى النظر والاستدلال . أما قوله {فلما رأى القمر بازغاً} يقال بزغ القمر أو الشمس إذا ابتدأ بالطلوع . وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً قاله الأزهري . وفي قوله {إن لم يهدني ربي} إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله تعالى . والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل ، وزيف بأن كل ذلك كان حاصلاً فالهداية التي كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي} أراد هذا الطالع أو هذا المرئي ، أو ذكر بتأويل الضياء والنور ، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن كانت بتاء مبالغة {هذا أكبر} أي