وقد قدم لنا القرآن صورة فريدة ومتميزة عن رحمة الأم المرضعة بوليدها وردت في سورة القصص عن قصة أم موسى حين أوحى إليها ربها أن تلقي رضيعها في اليم يقول تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، إنّا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين) (8) وقوله سبحانه في نفس السورة: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا، إن كادت لتبدي به لولا أن رّبطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) (9) انظروا إلى هذه الآية واحتوائها على التصوير الصحيح والحقيقي لما تحس به الأم اتجاه رضيعها وفيه أيضا تتمثل رحمة الأم بولدها تلك الرحمة التي تمثل جزءا يسيرا من رحمة الله بعباده لكنها - رحمة الأم - تظل هي قمة وأكبر مقدار للرحمة على وجه البسيطة. وفي نفس السورة يقص علينا ربنا أمر أم موسى فيقول: (وحرّمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فرددناه إلى أمه كي تقرّ عينها ولا تحزن ولتعلم أنّ وعد الله حقًّ ولكن أكثرهم لا يعلمون.) 1.
كما ورد في الأحاديث النبوية قصة سردها رسول الله على صحابته كانت لهم مدرسة عظة وإرشاد غير أنها تمثل بالنسبة لنا وفي موضعنا هنا إثباتا كبيرا على طرحنا لفرضية أن رحمة الأم برضيعها هي امثل وأعلى مقدار للرحمة الأرضية إنها قصة ماشطة بنت فرعون والتي ثبتت على وحدانية الله وعلى إيمانها في وجه فرعون رغم تنكيله بها وزج أبنائها الخمسة في زيت مقلي كما أوردت الروايات وأمام ناظريها لكن المثير في الحكاية هي معجزة إنطاق الله سبحانه لرضيعها الذي تكلم ليقول: (يا أماه اصبري فإنك على الحق) .