إن مجرد التعقل يعطي الإنسان الخير ، والتعقل هو محاولة فهم نواميس الكون من الأسباب والمسببات ، ونحن نرى نور الشمس يعمّ النهار ويشيع الضوء والدفء ، وغياب الشمس وظهور القمر يحقق صفاء السكون ويهدي الناس في ظلمات البر والبحر ، وجَريان الماء يروي الإنسان والزرع ، وحركة الرياح تحرك السحب وتقود السفن وتساعد في حركة الملاحة في الجو والبحر وتلقح النبات ، وكل ذلك أسباب أرادها الله حتى يتحقق التوازن في الكون .
والإنسان يأخذ حظه من الحياة بالأسباب التي عمل فيها ولا يأخذ الإنسان من أسباب غيره .
صحيح أن هناك أناساً يعيشون بلا أسباب ويأخذون تعب غيرهم ، ولكن عليهم أن يحذروا الله ، فإياك أيها المسلم أن تبني لحمك ولحم أولادك من استغلالك لغيرك ؛ ذلك أن أغيار الحياة ستمر عليك وقد تصير قوتك إلى ضعف ، وتأمين الإنسان لضعفه إنما يكون بإخراج الزكاة للضعيف ، ومساعدته ومعاونته في كل ما يحتاج إليه ، ونجد غير المؤمنين وقد أخذوا فكرة التأمين من الزكاة ، فأنت تدفع للفقير زكاتك لتؤمن نفسك كمؤمن ، وهم أخذوا هذه الفكرة ليحولوها إلى تأمين على الحياة ، ولذلك تدخلوا في قدر الله .
لكن الحق أراد بالزكاة أن يطمئن المجتمع كله لا أن يطمئن من يؤمن على نفسه فقط . ونعلم أن الذي يخيف الإنسان ويجعله يكدس المال ويجمعه ويكنزه هو الخوف من الضعف ، لكن لو أعطى الغني بعضاً من المال للفقير لأشاع الاطمئنان في نفسه ونفوس الضعفاء .
والذي يجعل الناس تلهث في الحياة للادخار لأبنائها هو عدم اقتناعهم بالتكافل الاجتماعي الذي شرعه الإسلام . وهم يرون اليتيم وهو يضيع في المجتمع ، لكن لو آمن الناس في المجتمع بالتكافل الاجتماعي لوجد كل يتيم أبوة المجتمع كله له .
والإنسان الذي يلهث وراء الكسب من أجل أن يؤمن مستقبل أولاده قد يحول أولاده إلى يتامى لأنه مشغول عن تربيتهم ، ولذلك يقول أمير الشعراء شوقي رحمة الله عليه: