ولا معنى لأيةِ علاقة حبٍ مع فتاةٍ مريضةٍ أو سيدةٍ محترمةٍ، وبعد أن تتآكل شبهُ جماعة تحتويك، لا حاجةَ لقرابةٍ قديمةٍ أو لصحبةٍ حديثةٍ وعابرةٍ عقدتها مصادفةً. وبعد لقاحٍ وخصابٍ وولادةٍ سترى السوقَ تأكلُ بنيكَ وبني بنيك، فلا تطرب لإنجابٍ أخير. وتلك الجنيةُ التي تتكلمُ طفولتكُ عليها لعبةٌ شعرية مملةٌ!
تأخرتِ الفكرةُ إذًا، والقصيدةُ التي تحاولها لا تأتيك، فتحالفْ مع نثر العالم!
وعلى رصيف مقهى الفرح تستطيعُ أن تدرّبَ عينيكَ على الرؤيةِ، وتستطيعُ أن تتحولَ إلى نكرة بين نكراتٍ في برهةٍ لا قوةَ فيها ولاولايةَ.. وبين رؤيا وحمى قد يفاجئك شخصٌ من الأعرابِ بنبأٍ ونبوءةٍ!
المقهى من داخلٍ ومن خارج كمثل بيتٍ، تنتمي إليه كائناتهُ ولا تنتمي.. العالمُ بعضهُ أوكلهُ تضطربُ فيه حيواناتهُ، يروّجُ وجوهًا كمثل نقودٍ مزّروةٍ يحشو بها رجالٌ محترمون، أعضاءهم الداخليةَ!
ألاحظ في المكانِ سلطةَ نصٍ شبه قديمةٍ وشبه حديثةٍ. ويضغطُ نثرٌ اعتياديٌ أدمغة السادة.. وتنتشر روائح كريهةٌ ونتنةٌ في فضاءِ روحٍ عامةٍ، تقولُ شخوصه ما يقالُ وما لا يقالُ..
هي سيرةُ محنةٍ ومجاعةٍ يترجلُ من داخلها عبادٌ صامتونَ وثرثارونَ وصابرونَ ومتعبونَ ونادمونَ، بكوفياتٍ وقبعاتٍ ومناديلَ مزركشةٍ، بين نخلاتِ زينةٍ وأعمدةِ كهرباء..
تبعثرُ ساعةُ الميدانِ الرئيسِ أسنانها وعقاربها وأهلّتها، فأعتقلُ ناقتي، وأتأملُ على كرسي الانتظار سماءً من قشٍ وتبنٍ ورمادٍ.. أعاينُ أثلامًا من تبغٍ وتنباكٍ ونردٍ وورق لعبٍ وشطرنجٍ وقهوةٍ وشايٍ.. فلم لا أعاني مع أبطالِ برهةٍ أخيرةٍ ومتأخرةٍ فتوحاتٍ تتجعدُ فيها أوراقُ كلامٍ تشحنه مطبعةٌ شبهُ حديثةٍ بعصافير ميتةٍ ورئاتِ أطفالٍ؟
ولمَ لا تدهشني رؤيا غامضةٌ، وأنا على كرسىّ الانتظارِ، يحدثني فيها شخصٌ من الأعرابِ عن غمةٍ لا تنكشفُ، وحياةٍ كمثلٍ الموتِ، ويتكلمُ على جمهراتِ عباد تعدمُ تحت الأرضِ!