قوله:(لأن فيها غنية عن غيرها في الدارين بقاء الأثر مدى الدهر والأمن من
العذاب يوم القيامة، قال عليه السلام: «من مات في أحد الحرمين، بعث يوم القيامة آمنًا» .
وعند أبي حنيفة من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما [والتجأ إلى الحرم] لم يتعرض له ولكن ألجئ
إلى الخروج) لأن فيهما علة الاقتصار. قوله بقاء الأثر بالجر بدل البعض من ضمير فيهما
أو بدل الكل ليتضح الغنية فيهما هذا في الدار الدُّنْيَا والأمن من العذاب هذا في
الدار الْآخرَة. الأول ناظر إلَى مقام إبْرَاهيم، والثاني إلَى من دخله آمَنًّا، والأول فيه غنية عن
الآيات الدنيوية لأنه متضمن لبقاء الأثر مدى الدهر، والثاني فيه الأمن من العذاب المهين
والظَّاهر كلام المصنف أنه حمل الأمن عَلَى الأمن من العذاب فقط من أن الحج يجب أن
يمحو ما قبله من المعاصي حتى حقوق العباد عَلَى قول لكن الأولى العموم لقوله
تَعَالَى: (حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) الآية. وقد صرح به
في سورة البقرة فمراده الاكتفاء بأعظم الأمن والمنافع كما يومئ إليه قوله وعند أبي
حنيفة الخ. والْحَديث الْمَذْكُور أخرجه أبو دَاوُود والطيالسي والبيهقي بأسانيد مختلفة
كما قيل قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"من مات". عام خص منه البعض. أي من مات حال كونه عَلَى
الْإسْلَام. قوله آمِنًا أي من العذاب وطول الحساب وله حسن المآب قوله ولكن ألجئ
أي اضطر إلَى الخروج بمنع الطعام والشراب والبيع فإذا خرج بنفسه يستوفي القصاص
في الحل هذا فيما وجب القتل خارج الحرم، وأما من قتل في الحرم فإنه يستوفي
القصاص في الحرم إجماعًا، وعند الشَّافعي من لزمه القتل في الحل فالتجأ إلَى الحرم
فيستوفي في الحرم؛ إذ أحب البقاع إلَى الله تَعَالَى أحرى أن يؤدي فيه فرائض الله تَعَالَى.
قوله: (قصده للزيارة عَلَى الوجه الْمَخْصُوص، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية
حفص (حِجُّ) بالكسر وهو لغة نجد) أشار به إلَى أن الحج في اللغة مطلق القصد وشرعًا قصد
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وعند أبي حنيفة رحمه الله من لزمه القتل الخ. أجمع الفقهاء عَلَى أنه لو قتل في الحرم
يستوفي منه في الحرم وأجمعوا أَيْضًا عَلَى أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس إنما [الخلاف]
فيما إذا وحب عليه القصاص خارج الحرم فالتجأ [إلى] الحرم فهل يستوفى منه القصاص في الحرم أم
لا؟ قال الشَّافعي رحمه الله يستوفى، وقال أبو حنيفة لا بل يمنع [عنه] الطعام والشراب والبيع والشراء
والْكَلَام حتى يخرج ثم يستوفى منه القصاص لقَوْله تَعَالَى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)
فقال ظَاهر الآية الْإخْبَار عن كونه آمِنًا ولكن لا يمكن حمله عليه؛ إذ قد لا يصير آمِنًا
فيقع الخلف فوجب حمله عَلَى الأمر وترك العمل به في الجنايات التي دون النفس لأن الضرر فيها
أخف من ضرر القتل وفيما إذا وجب عليه القصاص بجناية أتى بها في الحرم لأنه هُوَ الذي هتك
حرمة الحرم فبقي في محل الخلاف القتل خارج الحرم إذا التجأ القاتل إليه.
قوله: قصده للزيارة عَلَى الوجه الْمَخْصُوص. هذه القيود لبيان معناه الشرعي في اصْطلَاح
أهل الشرع، وإلا فمعنى الحج لغة هُوَ مطلق القصد.