الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَفَرْضٌ وَاجِبٌ لِلَّهِ عَلَى مِنَ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ السَّبِيلَ إِلَى حَجِّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ الْحَجَّ إِلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْحَجِّ وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَاهُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، وَمَا السَّبِيلُ الَّتِي يَجِبُ مَعَ اسْتَطَاعَتِهَا فَرْضُ الْحَجِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسَّبِيلُ: أَنْ يَصِحَّ بَدَنُ الْعَبْدِ، وَيَكُونَ لَهُ ثَمَنُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْحِفَ بِهِ""
عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:"مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغْهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} الْآيَةَ"
وَقَالَ آخَرُونَ: السَّبِيلُ الَّتِي إِذَا اسْتَطَاعَهَا الْمَرْءُ كَانَ عَلَيْهِ الْحَجُّ: الطَّاقَةُ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالْمَشْي وَبِالرُّكُوبِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ وُجُودِهِمَا الْعَجْزُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، بِامْتِنَاعِ الطَّرِيقِ مِنَ الْعَدُوِّ الْحَائِلِ، وَبَقِيَّةِ الْمَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَالُوا: فَلَا بَيَانَ فِي ذَلِكَ أَبْيَنُ مِمَّا بَيَّنَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا إِلَيْهِ السَّبِيلَ، وَذَلِكَ الْوُصُولُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ مَانِعٍ وَلَا حَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالْمَشْيِ وَحْدَهُ، وَإِنْ أَعْوَزَهُ الْمَرْكَبُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْمَرْكَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ: الصِّحَّةُ.