قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ أَبِيهِمْ إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي تَنْزِيلٍ وَلَا بِوَحْي قَبْلَ التَّوْرَاةِ، حَتَّى نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا شَاءَ، وَأَحَلَّ لَهُمْ فِيهَا مَا أَحَبَّ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي كَانَ إِسْرَائِيلُ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الَّذِي حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ الْعُرُوقَ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"كَانَ إِسْرَائِيلُ أَخَذَهُ عِرْقُ النَّسَا، فَكَانَ يَبِيتُ وَلَهُ زُقَاءُ، فَجَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إِنْ شَفَاهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ الْعُرُوقَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} قَالَ سُفْيَانُ: لَهُ زُقَاءُ: يَعْنِي صِيَاحًا."
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي كَانَ إِسْرَائِيلُ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومُ الْإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ الْعُرُوقُ وَلُحُومُ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ مُجْمِعَةٌ إِلَى الْيَوْمِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيمِهَا، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَوَائِلُهَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عِصَابَةً، مِنَ الْيَهُودِ حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَخْبِرْنَا أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُنْشِدُكُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الْإِبِلِ، وَأَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُهَا؟» فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ""