إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} هذا القول قد خدم قضية سبقتها ، وهي أنه لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ، ما دام كافرا ، إنها نفقة مرفوضة لا اعتبار لها ، إنها هدر. ويأتي من بعد ذلك بتحديد النفقة التي ليست هدرا ، ثم يفضح اليهود بقضية توجد عندهم فِي التوراة ولكنهم كذبوها ، وهي قضية تتعرض للطعام ، وما دامت القضية تتعرض للطعام فهناك الكثير من الملكات التي يمكن أن تتحرك ، فملكات الواجد حين تتحرك فحركتها تكون بأسلوب غير الأسلوب الذي تتحرك به ملكات المعدم. فقيل أن يُحَرِك وجدان المعدم إلى أنه معدم ، حتى لا يتلقى ذلك بحسرة ، فإنه سبحانه يكون قد عمل رصيدا لهذا المعدم ، فيرقق قلب الواجد أولا {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} وبعد ذلك يأتي قوله الحق سبحانه:
{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]
ومعنى كلمة"حل"هو"حلال"، ويقابلها"حرام"وحل هي مصدر ، وما دامت مصدرا فلا نقول"هذان حلالان"بل نقول:"هذان حل"، ونقول:"هؤلاء حل"وإن شئت فاقرأ قوله تعالى:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]