(ذَلِكمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) الإشارة هنا إلى كل ما ذكر من الأمر بالكتابة، والنهي عن الامتناع عنها، والأمر بالاستشهاد، والنهي عن الامتناع عن الشهادة، والأمر بكتابة الصغير والكبير؛ وإن هذه الجملة السامية فيها تعليل للتشديد في الأوامر السابقة، وقد تعللت هذه الأوامر والوصايا بثلاثة أمور: أولها: أنها أقسط عند الله، أي أنها أعدل في ذاتها، لأنها أعدل عند الله تعالى، وكل ما يكون أعدل في علم الله تعالى فهو الأعدل في ذاته، وكانت الأعدل في ذاتها؛ لأنها حماية لنفس المدين من الجحود، وحماية لحق الدائن من الضياع، فهي حماية للفريقين.
والأمر الثاني: أنها (أَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ) أي أن الكتابة والشهادة على الكتابة أشد تقويمًا للشهادة والإتيان بها مقومة عادلة ثابتة لَا زيف فيها ولا اضطراب؛ والمراد
بالشهادة الإثبات، أي أن الكتابة والإشهاد عليها أقوم طريق للإثبات والحكم. وقد فهم بعض العلماء من هذا أنه يجوز أن يستعين الشاهد بما كتب وقت المعاينة عند تحمل الشهادة.
والأمر الثالث: أنها (أَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) أي الأوامر السابقة والوصايا إذا نفذت على وجهها أقرب إلى ألا يكون ريبا وتظننا في التعامل، والريب والتظنن ونحوهما يفقد الثقة، وإذا فقدت الثقة بين المتعاملين فسد التعامل، وانحلت عرى التضافر الاجتماعي، والتعاون الإسلامي، والاقتصادي.