وليس كما ذكر، لأنّ الله تعالى فرَّق بينهما فقال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] ، ثم قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] وذكر العرش في عدَّة مواضع.
وروى مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: العرش بعد الكرسي، والعرش من ياقوتة حمراء، وتحته بحر تنزل منه أرزاق الحيوانات، يوحي الله إليه فيقطر ما شاء، ثم يقسم بين الخلائق، وبين حملة العرش وحملة الكرسيِّ لسبعون حجابًا من نور، غلظ كلِّ حجابٍ مسيرة خمس مئة سمنة، ولولا ذلك لاحترق حملة الكرسي من نور [حَمَلةِ] العرش.
وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: للعرش ثلاث مئة وستون ألف برج، في كل برج ثلاث مئة ألف صف من الملائكة، لا يعلم محددهم إلا الله تعالى، يسبِّح كل واحد منهم بلسان لا يعرفه الآخر.
فإن قيل: فما الحكمة من خلق العرش، والله أعظم من كل عظيم؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنه موضعُ خدمة الملائكة، فهم حافُّون به إلى يوم القيامة كما قال الله تعالى: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر: 75] فهو كبابِ الملِك.
والثاني: لأنَّ الله جعله قبلةَ الدَّاعين، وملجأ المكروبين، ومفزع الخائفين، وحرم القاصدين، وجناب اللائذين.
والثالث: لأنه سقف الجنان، وتأوي إليه أرواح الشهداء في قناديل من ذهب معلَّقةٍ فيه، على ما ورد به الحديث الصحيح.
والرابع: لأنَّ الله جعله معدن الستر واللطف، فروى عطاء عن ابن عباس قال: حدثني كعب الأحبار قال: قرأت في بعض الكتب: أن ما في الدنيا مؤمن إلا وله تمثال على هيئته تحت العرش، فإذا ركع المؤمن وسجد في الصلاة فعل ذلك التمثال مثل فعله، فتنظر إليه الملائكة فيستغفرون له، وذلك قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5] ، فإذا ارتكب المؤمنُ خطيئةً أرخى الله عزَّ وجلَّ على ذلك التمثال سترًا لئلا يتطلع عليه الملائكة، فذلك معنى قولهم في الدعاء: يا مَنْ أظهر الجميل وستر القبيح. انتهى انتهى {مرآة الزمان، لسبط ابن الجوزي} ...