لابد لنا إذن أن نأخذ هذه الآية فِي ظل آية سورة يونس ؛ فالحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب العقل البشري يريد أن بخاطبه خطابا يوقظ فيه عقله وفكره حتى يستقبل كلام الله بجماع تفكيره ، وأن يكون القرآن كله حاضرا فِي ذهنك ، ويخدم بعضه بعضا."كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين". فقبل بعث الله النبيين كان الناس أمة واحدة يتبعون آدم ، وقد بلغ الحق آدم المنهج بعد أن اجتباه وهداه ، وعلم آدم أبناءه منهج الله ، فظل الناس من أبنائه على إيمان بعقيدة واحدة ، ولم ينشأ عندهم ما يوجب اختلاف أهوائهم ، فالعالم كان واسعاً ، وكانت القلة السكانية فيه هي آدم وأولاده فقط ، وكان خير العالم يتسع للموجودين جميعا. إذن لا تطاحن على شيء ، ومن يريد شيئاً يأخذه ، وكانت الملكية مشاعة للجميع ؛ لأنه لم تكن هناك ملكية لأحد ؛ فمن يريد أن يبني بيتا فله أن يبنيه ولو على عشرين فدانا ، ومن يريد أن يأكل فاكهة أو يأخذ ثمرا من أي بستان فله أن يأخذ ما يريد.
والمثال على ذلك فِي حياتنا اليومية ، هناك رب الأسرة الذي يأتي بعشرين كيلو برتقالاً ويتركها أمام أولاده ، وكل طفل يريد برتقالة أو أكثر فهو يأخذ ما يريد بلا حرج ، لكن لو اشترى رب البيت كيلو برتقالاً واحداً فكل طفل يأخذ برتقالة واحدة فقط. إذن كان الناس أمة واحدة ، أي لم توجد الأطماع ، ولم يوجد حب الاستئثار بالمنافع مما يجعلهم يختلفون. إذن فأساس الاختلاف هو الطمع فِي متاع الدنيا ، ومن هنا ينشأ الهوى. وكان من المفروض فِي آدم عليه السلام بعد أن بلغه الله المنهج أن يبلغه لأولاده وأن يتقبل أبناؤه المنهج ، ولكن بعض أولاده تمرد على المنهج ، ونشأ حب الاستئثار من ضيق المستأثر والمنتفع به ، ومن هنا نشأت الخلافات. ولنا فِي قصة هابيل وقابيل ما يوضح ذلك: