كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم. فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات. ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم. فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم:
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً.
لكن الأرجح عندنا أن الآيات لها علاقة بما بعد قضاء مناسك يوم النحر، ما عدا الطواف، وعلى هذا فيكون ذكر المناسك هنا من باب ذكر الكل وإرادة الجزء.
المعنى الحرفي:
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً:
فإذا قضيتم مناسك يوم النحر فاذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم. والمعنى:
فأكثروا من ذكر الله، وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم. ومفاخرهم وأيامهم أو كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه. و (أو) في النص أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً لتحقيق المماثلة في المخبر عنه أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من
لا يسأله إلا في أمر دنياه، وهو معرض عن أخراه. وذلك أن قوما من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام ولاد حسن. لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا. فأنزل الله فيهم: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا أي: من الذين يشهدون الحج من لا يسأل الله إلا حظوظ الدنيا كالجاه والدنيا وغير ذلك.
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي: من نصيب لأن همه مقصور على الدنيا، لكفره بالآخرة.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ أي: ومن الذين يشهدون الحج من يقول: ربنا آتنا في الدنيا نعمة، وعافية، وعلما، وعبادة، ونحو ذلك، وفي الآخرة عفوا، ومغفرة، وجنة، ونحو ذلك.
واحفظنا من عذاب جهنم. فصار المعنى العام: أكثروا ذكر الله ودعاءه. لأن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أغراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين. فكونوا من المكثرين الذكر، الطالبين خيري الدنيا والآخرة.