الاستعداد للقتال، يقتضي أموالًا طائلة لتسليح الجنود برًّا وبحرًا وجوًا، ولتنظيم الإمدادات، وشق طرق للمواصلات، وإعداد المستشفيات، وما إلى ذلك، فيجب تدبيرها وإحكامها، بحيث تستطيع مواجهة حدة المباغتة.
ولهذا أوجب الإسلام على كل مسلم أَن ينفق في سبيل الله، وأوجب للحاكم شرعًا: أن يفرض من الضرائب ما يكفي، ويبقى رصيدًا احتياطيًا للطواريء.
والتأهب - في زمننا - واجب على الأُمم الإسلامية، لأن ظروفها تستوجب ذلك.
وكما أن الإنفاق في سبيل الله يكون في الجهاد، فإنه يكنو أيضًا في وجوه البر، والخير.
{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} : تحذير للمسلمين من التقصير في الإعداد للقاء الأعداء، حتى لا يصيبهم بغتة مكروه يهلكون فيه.
والمعنى: ولا تتسببوا - بتهاونكم وغفلتكم - في إلقاء أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك.
ومن ذلك ترك الغزو، والتقصير في إعداد الجنود والقادة عسكريًا، وإهمال التحصين والتهاون في الإنفاق، وغير ذلك مما لابد منه.
وقد نزلت هذه الآية فيمن فكروا في الإقامة بين أهليهم بعد انتشار الإسلام.
روى أبو داود والترمذي وغيرهما، عن أسلم بن أبي عمرا، قال:"حَمَلَ رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومَعَنا أبو أَيوب الأنصاري، فقال: ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو ايوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صَحِبْنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نَجِيًّا، فَقُلْنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونصره، حتى فشا الإسلام، وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقم فيهم فنزل فينا:"
{وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} .
فكانت التهلكة - الإقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد. وخصوص السبب لا يمنع من أن تكنو الآية قانونًا عامًا، في القتال وغيره.