وأجابَ القَاضِي، والقائلُونَ بالفعليَّة عن الأَوَّل بأنَّ"لَيْسَ"قد يجيءُ لنفي المَاضِي بمعنَاه؛ كقولهم:"جَاءَنِي القَوْمُ لَيْسَ زَيْداً".
وعن الثَّاني أنه منقوضٌ بقولم:"أَخَذَ يَفْعَلُ كَذَا".
وعن الثَّالث: أنه منقوضٌ بسائر الأفعال النَّاقِصَة.
وعن الرَّابع: أنَّ المماثَلَة مِنْ بعض الوجوه لا تَقتضي المماثلة من كُلِّ الوُجُوه.
وعن الخَامِس: أَنَّ ذلك إِنَّمَا امتنع مِنْ قِبَلِ أَنَّ:"مَا"للحال و"لَيْسَ"للماضي، فلا يمكنُ الجَمْع بينهما.
وعن السَّادس: أن تغير البناءِ وإن كان على خلافِ الأَصل، لكنَّه يجبُ المصيرُ إِلَيْه؛ لدلالةِ العَمَل بما ذكر، وذكَرُوا وجوهاً أُخَرَ مخالفةً للنَّحْوِ.
قوله:"قِبَلَ"منصوبٌ على الظَّرْف المكانيِّ بقوله:"تُوَلُّوا"، وحقيقةُ قولِكَ:"زَيْدٌ قِبَلَكَ"أي فِي المكان الَّذي يقابلُكَ فيه وقد يُتَّسَعُ فيه، فيكون بمعنى"عِنْدَ"؛ نحو قولك:"قِبَلَ زَيْدٍ دَيْنٌ"، أي"عِنْدَهُ ديْنٌ".
قوله {ولكن البر مَنْ آمَنَ بالله} فِي هذه الآية خَمْسَة أوجه:
أحدها: أن"البِرَّ"اسم فاعل من: بَرَّ يَبَرُّ، فهو"برُّ"والأصل:"بَرِرٌ"بكسر الراء الأولى بزنة"فطِنٍ"فلمَّا أريد الإدغام، نقلت كسرة الرَّاء إلى الباء بعد سكبها حركتها؛ فعلى هذه القراءة: لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويلٍ؛ لأنَّ البِرَّ من صفات الأعيان؛ كأنه قيل:"وَلكِنَّ الشخْصَ البِرَّ مَنْ آمن".
الثاني: أنَّ فِي الكلام حذف مضافٍ من الأوَّل، تقديره:"ولكنَّ ذا البِرِّ من آمن"؛ كقوله تعالى: {والعاقبة للتقوى} [طه: 132] أي: لذي التقوى؛ وقوله {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ الله والله} [آل عمران: 163] أي: ذوو درجاتٍ، قاله الزَّجَّاج.