وعندي في معنى الصبر عن الله وجه ولكونه من أشدّ الصبر على الصابرين وجه: وذلك أن الصبر عن الله يكون في أخص مقامات المشاهدة يرجع العبد عن الله استحياء وإجلالاً، وتنطبق بصيرته خجلاً وذوباناً، ويتغيب في مفاوز استكانته وتخفيه لإحساسه بعظيم أمر التجلي، وهذا من أشدّ الصبر لأنه يواد استدامة هذا الحال تأدية لحق الجلال، والروح تود أن تكتحل بصيرتها باستلماع نور الجمال، وكما أن النفس منازعة لعموم حال الصبر، فالروح في هذا الصبر منازعة، فاشتد الصبر عن الله تعالى لذلك.
وقال أبو الحسن بن سالم: هم ثلاثة: متصبر، وصابر، وصبار؛ فالمتصبر: من صبر في الله؛ فمرّة يصبر، ومرة يجزع. والصابر: من يصبر في الله ولله ولا يجزع، ولكن تتوقع منه الشكوى، وقد يمكن منه الجزع.
وأما الصبار: فذاك الذي صبره في الله ولله وبالله، فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجود والحقيقة، لا من جهة الرسم والخلقة، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة.
وكان الشبلي يتمثل بهذين البيتين:
إن صوت المحب من ألم الشو ... ق وخوف الفراق يورث ضرّا
صابر الصبر فاستغاث به الصبـ ... ـر فصاح المحب للصبر صبرا
قال جعفر الصادق رحمه الله: أمر الله تعالى أنبياءه بالصبر وجعل الحظ الأعلى للرسول حيث جعل صبره بالله لا بنفسه، فقال: {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} .
وسئل السري عن الصبر، فتكلم فيه، فدب على رجله عقرب، فجعل يضربه بإبرته، فقيل له: لم لا تدفعه؟ قال: أستحي من الله تعالى أن أتكلم في حال ثم أخالف ما أتكلم فيه.
أخبرنا أبو زرعة إجازة، عن أبي بكر بن خلف إجازة، عن أبي عبد الرحمن قال: سمعت محمد بن خالد يقول: سمعت الفرغاني يقول: سمعت الجنيد رحمه الله يقول: إن الله تعالى أكرم المؤمنين بالإيمان، وأكرم الإيمان بالعقل وأكرم العقل بالصبر، فالإيمان زين المؤمن، والعقل زين الإيمان، والصبر زين العقل.
وأنشد عن إبراهيم الخوّاص رحمه الله:
صبرت على بعض الأذى خوف كله ... ودافعت عن نفسي لنفسي فعزّت
وجرّعتها المكروه حتى تدرّبت ... ولو لم أجرّعها إذن لاشمأزّت
ألا ربّ ذل ساق للنفس عزّة ... ويا رب نفس بالتذلل عزت
إذا ما مددت الكف ألتمس الغنى ... إلى غير من قال اسألوني فشلت
سأصبر جهدي إن في الصبر عزة ... وأرضى بدنياي وإن هي قلّت