ومن البر أن تكون من"الصابرين فِي البأساء والضراء". ولنا أن نلحظ أن الحق جاء بـ"الموفون بعهدهم"مرفوعة لأنها معطوفة على خبر لكن البر ، فلماذا جاء"بالصابرين"منصوبة ؟ فماذا يعني كسر الإعراب ؟ إن الأذن العربية اعتادت على النطق السليم الفصيح فإذا كان الكلام من بليغ نقول: لم يكسر الإعراب هنا إلا لينبهني إلى أن شيئاً يجب أن يفهم ، لأن الذي يتكلم بليغ وما دام بليغاً وقال قبلها:"والموفون"ثم قال:"والصابرين"فلابد أن يكون هناك سبب ، ما هو السبب ؟. إن كل ما سبق مطية الوصول إليه هو الصبر ، إيتاء المال على حبه ذوي القربى و.. و.. ولذلك أراد الله أن ينبه إلى مزية الصبر فكسر عنده الإعراب ، وكسر الإعراب يقتضي أن نأي له بفعل يناسبه فجاء قوله تعالى:"والصابرين"وكأن معناها: وأخص الصابرين ، ومدح الصابرين.
إذن كسر الإعراب هنا غرضه تنبيه الآذان إلى أن شيئاً جديداً استحق أن يخالف عنده الإعراب. لأن الصبر هو مطية كل هذه الأفعال ، فالذي يقدر فِي الصبر على نفسه بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة. وإيتاء المال على حبه هو الذي فاز وظفر ، إذن كل ذلك امتحان للصبر. ومن هنا خص الله"الصابرين"بإعراب مخالف حتى نفهم أنه منصوب على المدح ، أو على الاختصاص. ولماذا خص الله الصابرين بالمدح ؟. لأن التكليفات كلها تعطي مشقات على النفس ، ولا يستطيع تحمل هذه المشقات إلا من يقدر على الصبر. وما دام قد قدر على الصبر فكل ذلك يهون. ومن هنا خص الله الصبر بهذه الميزة.