إذا كان هو سبحانه الذي أعطى المال ، فكيف يقول: أقرضني ؟. نعم ، لأنه سبحانه لا يرجع فيما وهبه لك من نعمة المال ، فكيف يقول: أقرضني ؟. نعم ، لأنه سبحانه لا يرجع فيما وهبه لك من نعمة المال ، إن المال الذي لك هو هبة من الله ، ولكن إن احتاجه أخ مسلم فهو لا يقول لك"أعطه من عندك أو اقرضه من عندك"، إنما يقول لك:"أقرضني أنا ، لأني أنا الذي أوجدته فِي الكون ورزقه مطلوب مني"، فكأنك حين تعطيه تقرض الله ، وهذا معنى قوله:"من ذا الذي يقرض الله قرضا حسناً". إنه سبحانه وتعالى متفضل بالنعمة ثم يسألك أن تقرضه هو. ولنضرب على ذلك مثلاً من أمر الدنيا - وسبحانه وتعالى منزه عن كل مثل وله المثل الأعلى - هب أنك محتاج وفي ضائقة مالية ، وعندك أولاد ولهم مبالغ مدخرة مما كنت تعطيهم من مال فتقول لهم أقرضوني ما معكم من مال ؛ وسأرده لكم عندما تمر الضائقة. كأنك لم ترجع فِي هبتك وما أعطيته لهم من مال ، إنما اقترضته منهم ، كذلك يفعل الله سبحانه وتعالى.
وكذلك لنا عبرة وعظة من السيدة فاطمة رضي الله عنها عندما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآها ممسكة بدرهم ، والدرهم يعلوه الصدأ وأخذت تجلوه ، فسألها أبوها: ما تصنعين يا فاطمة ؟ قالت: أجلو درهما. قال: لماذا ؟ قالت: لأني نويت أن أتصدق به ، قال: ومادمت تتصدقين به فلماذا تجلينه ؟ قالت: لآني أعلم أنه يقع فِي يد الله قبل أن يقع فِي يد المحتاج. ومن البر أيضا أن يفي الإنسان بالعهد ، فالحق يقول:"والموفون بعهدهم إذا عاهدوا". وما معنى العهد ؟. إن هناك عهداً ، وهناك عقد. والعهد يوجد من طرفين تعاهدا على كذا ، لكن قد يستطيع أحدهما العطاء ولا يستطيع الآخر الرد. والعقد يوجد بين طرفين أيضاً ، أحدهما يعطي ويأخذ ، والآخر يعطي ويأخذ.