رِوَايَةٍ زِيَادَةٌ (وَيُلْهِمُهُ رُشْدَهُ) .
فَيَا أَهْلَ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي لَمْ يُفْسِدْهَا فِقْهُ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَالِينَ عَلَى اللهِ لِهَدْمِ دِينِهِ أَفْتُونَا:
هَلِ الْعِلْمُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِيلَةِ يَنْطَبِقُ عَلَى أُصُولِ الْبِرِّ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَعَلَى الْفِقْهِ وَالرُّشْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا ، أَمْ هَذِهِ فِتْنَةٌ مِنْ فِتَنِ التَّقْلِيدِ وَأَخْذِ الدِّينِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُحْدَثَةِ دُونَ كِتَابِ اللهِ الْمَجِيدِ ؟
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) وَهَذَا انْتِقَالٌ مِنَ الْبِرِّ فِي الْأَعْمَالِ إِلَى الْبِرِّ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ أَهَمُّ أُصُولِ الْبِرِّ وَهُوَ الْوَفَاءُ وَالصَّبْرُ بِضُرُوبِهِ الْمُبَيَّنَةِ بَعْدُ . وَقَدْ ذَكَرَ الْأَعْمَالَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ وَالْأَخْلَاقَ بِصِيغَةِ الْوَصْفِ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ أَفْعَالٌ ، وَالْأَخْلَاقَ صِفَاتٌ . وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْفَى وَصَبْرَ تَكَلُّفًا لَا يَكُونُ بَارًّا حَتَّى يَصِيرَ الْوَفَاءُ وَالصَّبْرُ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَلَوْ بِتَكْرَارِ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَمُّلِ ، فَقَدْ وَرَدَ (الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ) وَقَدَّمَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ عَلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ
هِيَ الَّتِي تَطْبَعُ الْأَخْلَاقَ فِي النُّفُوسِ ، وَلَا سِيَّمَا الصَّلَاةُ وَبَذْلُ الْمَالِ ، فَلَا أَعَوْنَ مِنْهُمَا عَلَى الْوَفَاءِ وَالصَّبْرِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ .