فالقسم مما قد اتسع بالفصل فيه؛ لكثرته، ويقع مواقع لم يقع غيره، فلا يلزم إذا اتسع فيه ففصل به أن يفصل بغيره. ألا ترى أنهم اتسعوا في الفصل بالظرف، ففصلوا به بين إن واسمها، وليس يوجب فصلهم بذلك
فصلهم بغيره. وكذلك يجوز الفصل بالقسم في الصلة، ولا يجوز ذلك في غيره، فبان بما ذكرنا أنه لا وجه لقول الكسائي، وهذا كله كلام أبي علي. ثم قولُ الكسائي ضعيف أيضا في المعنى؛ لأنه يَضْعُفُ أن يُقَال: معنى الآية: ولكن البرّ من آمن بالله وآتى الصابرين. والصحيح: أنَّ ما بعد {آمَنَ} تَعدادٌ لأفعال {مَنْ آمَنَ} وأوصافه.
والوجه في نصب {وَالصَّابِرِينَ} قولُ الفراء، وهو أنه ذهب به إلى المدح، وإن كان مِنْ صفة {مَنْ} ، والعرب تعترض في صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم، فينصبون بعض المدح، وإن كان الاسم رفعًا، كأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام، من ذلك قولُ الشاعر:
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْر
النأزلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبين معاقِدَ الأزْرِ
فنصبوا النأزلين والطيبين على المدح.
وأنشد أيضا:
إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحمْ
فنصب ليثَ الكتيبة على المدح، والاسم قبله مخفوض.
وقال أبو علي مختارًا هذا القول: الأحسن عندي في هذه الأوصاف التي تعطف وتذكر للرفع من موصوفها والمدح أو النقص منهم والذم: أن يخالف بإعرابها، ولا يجعل كلها جارية على موصوفيها؛ لأن هذه المواضع من مواضع الإطناب في الوصف، والإبلاغ في القول، فإذا خُولِفَ بإعراب الأوصاف كان أشدَ وأوقعَ فيما يعني لضرورةِ الكلام، وكونه بذلك ضروبًا وجملًا، وكونه في الإجراء على الأول وجهًا واحدًا وجملةً واحدة. ونص سيبويه في قوله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: 162] ، أنه نصبٌ على المدح. انتهى كلامه.