فهم {صُمٌّ} عن سماع الحق سماع قبول وانتفاع به. {بُكْمٌ} عن النطق به. {عُمْيٌ} عن رؤيته؛ أي: يتصامون عن الحق، ويتباكمون عنه، ويتعامون عنه. {فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} ؛ أي: لا يفقهون أمر الله، ودعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما لا تعقل الإبل والغنم كلام الراعي، قيل: المراد به العقل الكسبي؛ لأن العقل الطبيعي كان حاصلًا فيهم، ثم بيّن أن ما حرّمه المشركون حلال. فقال:
172 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ؛ أي كلوا من حلالات ما أعطيناكم من الحرث والأنعام. قيل: إن الأمر في {كُلُوا} يكون للوجوب كالأكل لحفظ النفس، ودفع الضرر عنها، وقد يكون للندب كالأكل مع الضيف، وقد يكون للإباحة إذا خلا من هذه العوارض.
وهذا الذي ذكره هنا تأكيدٌ للأمر السابق في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} وإنما خص المؤمنين هنا؛ لكونهم أفضل أنواع الناس وقيل: المراد بالأكل الانتفاع، وقيل: المراد به الأكل المعتاد، وهو الظاهر.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر رجلًا يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام فأنى يستجاب له"؟ أخرجه مسلم. أَشْعَثُ: هو البعيد العهد بالدهن، أَغْبَرَ: هو البعيد العهد بالغسل والنظافة، ويستفاد من هذا الحديث أن المراد بالطيبات الحلالات.