وقوله: {يَعُودُونَ} أي: إلى نسائهم، يعني: إلى وطئهن الذي كانوا حرموه على أنفسهم بالظهار منهن، وأما التقديم والتأخير الذي قدره في الآية فهو كثير جدًا كقوله: {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا} [النمل: 28] الآية. والمعنى: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. هذا قول الأخفش. وشرحه أبو علي.
قال أبو إسحاق: وهذا مذهب حسن، وقال ابن قتيبة: أجمع الناس على أن الظهار يقع بلفظ واحد، وتأويل قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} هو أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية فقال: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} يريد في الجاهلية {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} في الإسلام يعودون لما كانوا يقولونه من هذا الكلام {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ م} وهذا القول هو اختيار صاحب النظم، وشرحه فقال: المعنى: والذين كانوا يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام ثم يعودون في الإسلام لمثل هذا القول فيظاهرون من نسائهم. ثم ذكر ما أوجب في ذلك في الإسلام من الحكم، والعرب تضمر كان كقوله: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102] أي: ما كانت تتلو الشياطين فأضمر كانت.
قوله تعالى {لِمَا قَالُوا} قال الأخفش: لما قالوا، وإلى ما قالوا واحد، يقال: عدت إلى ذاك، وعدت لذاك، قال أبو علي: إلى واللام يتعاقبان كقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43] وقال: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23] وقال: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: 5] . وقال: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ} [هود: 36] .
قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} قالوا أراد رقبة مؤمنة؛ لأنه قيد في كفارة القتل وأطلق هاهنا، والمطلق يحمل على المقيد ويفسر به.