وقد أكد هذا الاقتضاء بقوله: {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} ، أي أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا من بعد الفتح ، فإن اسم التفضيل يدل على المشاركة فيما اشتق منه اسم التفضيل وزيادة من أخبر عنه باسم التفضيل في الوصف المشتق منه ، أي فكلا الفريقين له درجة عظيمة.
وحُذف قسم من أنفق من قبل الفتح إيجازاً لدلالة فعل التسوية عليه لا محالة.
والتقدير: لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق بعده.
والدرجة: مستعارة للفضل لأن الدرجة تستلزم الارتقاء ، فوصف الارتقاء ملاحظ فيها ، ثم يشبَّه الفضل والشرف بالارتقاء فعبر عنه بالدرجة ، فالدرجة من أسماء الأجناس التي لوحظت فيها صفات أوصاف مثل اسم الأسد بصفة الشجاعة في قول الخارجي:
أسد علي وفي الحروب نعامة...
وقوله: {وكلاًّ وعد الله الحسنى} احتراس من أن يتوهم متوهم أن اسم التفضيل مسلوب المفاضلة للمبالغة مثل ما في قول: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} [يوسف: 33] ، أي حبيب إليّ دون ما يدعونني إليه من المعصية.
وعبر بـ {الحسنى} لبيان أن الدرجة هي درجة الحسنى ليكون للاحتراس معنى زائد على التأكيد وهو ما فيه من البيان.
والحسنى: لقب قرآني إسلامي يدل على خيرات الآخرة ، قال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] .
وقوله: {منكم} حال من {من أنفق} أصله نعت قُدّم للاهتمام تعجيلاً بهذا الوصف.
وجيء باسم الإِشارة في قوله: {أولئك أعظم درجة} دون الضمير لما تؤذن به الإِشارة من التنويه والتعظيم ، وللتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما يذكر بعد اسم الإِشارة ، لأجل ما ذُكر قبله من الإِخبار ومثله قوله: {أولئك على هدًى من ربهم} [البقرة: 4] بعد قوله: {هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] الخ.