قد قدمنا قريباً كلام أهل العلم في همزة الاستفهام المتبوعة بأداة عطف ، وذكرناه قبل هذا مراراً ، وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} يعني أفرأيتم ما تصبونه من المني في أرحام النساء ، فلفظة ما موصولة ، والجملة الفعلية صلة الموصول ، والعائد غلى الصفة محذوف ، لأنه منصوب بفعل ، والتقدير: أفرأيتم ما تمنونه ، والعرب تقول: أمنى النطفة بصيغة الرباعي ، يمنيها بضم حرف المضارعة ، إذا أرقها في رحم المرأة ، ومنه قوله تعالى: {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى} [النجم: 46] ومنى يمنى بصيغة الثلاثي لغة صحيحة. إلا ان القراءة بها شاذة.
وممن قرأ تمنون بفتح مضارع في الثلاثي المجرد ، أبو السمال وابن السميفع ، وقوله تعالى: {أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون} استفهام تقرير ، فإنهم لا بد أن يقولوا: أنتم الخالقون ، فيقال لهم: إذا كنا خلقنا هذا الإنسان الخصيم المبين من تلك النطفة التي تمنى في الرحمن ، فكيف تكذبون بقدرتان على خلقه مرة أخرى ، وأنتم تعلمون أن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من الابتداء ، والضمير المنصوب في تخلقونه عائد إلى الموصول أي تخلقون ما تمنونه من النطف علقاً ، ثم مضغاً إلى آخر أطواره.
وهذا الذي تضمنته هذه الآية من البراهين القاطعة على كمال قدرة الله على البعث وغيره ، وعلى أنه المعبود وحده ، ببيان أطوار خلق الإنسان ، جاء موضحاً في آيات أخر ، وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفىً بالآيات القرآنية ، وبينا ما يتعلق بكل طور من أطواره من الأحكام الشرعية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} [الحج: 5] الآية.
وذركنا أطوار خلق الإنسان في سورة الرحمن أيضاً في الكلام على قوله تعالى: {خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان} [الرحمن: 3 - 4] وفي غير ذلك من المواضع.