وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً {فأما إن كان} المتوفى {من المقربين} أي من السابقين من الأزواج الثلاثة {فروح} أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن {وريحان} أي رزق وهذا للبدن {وجنة نعيم} وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر. ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك} أيها النبي {من أصحاب اليمين} أي أنت سالم من شفاعتهم. هذا قول كثير من المفسرين. وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله {وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10] {إن هذا} القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة {لهو حق اليقين} أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين. وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى"من"كقولك"خاتم فضة"وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك"حق الحق"."وصواب الصواب"أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه. أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر. هذا ما قاله أكثر المفسرين. وقيل: الإضافة كما في قولنا"جانب الغربي"و"مسجد الجامع"أي حق الأمر اليقين. ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا"حق النبي أن يصلي عليه"و"حق المال أن تؤدى زكاته"ومنه قوله صلى الله عليه وسلم"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"أي إلا بحق هذه الكلمة. ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله سبحانه في شأن الأزواج الثلاثة. وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 92] وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها