{ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين} الثلة الجماعة من الناس ، فالمعنى أن السابقين من الأولين أكثر من السابقين من الآخرين ، والأولون هم أول هذه الأمة والآخرون المتأخرون من هذه الأمة ، والدليل على ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفرقتان في أمتي . وذلك لأن صدر هذه الأمة خير ممن بعدهم فكثر السابقون من السلف الصالح ، وقلوا بعد ذلك ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم"وقيل إن الفرقتين في أمة كل نبيّ فالسابقون في كل أمة يكثرون في أولها ويقلون في آخرها ، وقيل: إن الأولين هم من كان قبل هذه الأمة ، والآخرين هم هذه الأمة ، فيقتضي هذا أن السابقين من الأمم المتقدمة أكثر من السابقين من هذه الأمة وهذا بعيد ، وقيل: إن السابقين يراد بهم الأنبياء ، لأنهم كانوا في أول الزمان أكثر مما كاوا في آخره: {على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} السرر جمع سرير والموضونة المنسوجة وقيل: المشبكة بالدر والياقوت ، وقيل معناه متواصلة قد أدنى بعضها من بعض {مُتَقَابِلِينَ} أي وجوه بعضهم إلى بعض {وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} الولدان صغار الخدم ، والمخلدون الذين لا يموتون ، وقيل المقرطون بالخلدات وهي ضرب من الأقراط ، والأول أظهر {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} الأكواب جمع كوب ، وهو الإناء وهو الذي لا أذن له ولا خرطوم يمسك به ، والأباريق جمع إبريق وهو الإناء الذي له خرطوم أو أذن يمسك {وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} ذكر في [الصافات: 45] .
{لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ} أي لا يلحق رؤوسهم الصداع الذي يصيب من خمر الدنيا ، وقيل لا يفرقون عنها فهو من الصدع وهو الفرقة ، ومعنى لا يُنْزَفون لا يسكرون .
{وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ} قيل: يتخيرون ما شاؤوا لكثرتها ، وقيل: مخيرة مرضية .