ومثله قوله: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ أي: مضطجعين عليها اضطجاع الذي امتلأ قلبه بالراحة، وفراغ البال من كل ما يشغله، وقد قابل وجه كل واحد منهم وجه الآخر، ليتم سرورهم ونعيمهم، إذ تقابل وجوه الأحباب يزيد الأنس والبهجة.
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أي: يدور عليهم من أجل خدمتهم غلمان، شبابهم باق لا يتغير، وهيئتهم الجميلة على حالها لا تتبدل، فهم دائما على تلك الهيئة المنعوتة بالشباب والمنظر الحسن.
بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ أي: يطوفون عليهم، بأكواب أي: بأقداح لا عرى لها، وأباريق، أي: وبأوان ذات عرا وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ أي: وبإناء مملوء بالخمر الكثير الجاري فقوله مَعِينٍ من المعن بمعنى الكثرة.
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها .. أي لا يصيبهم صداع أو تعب بسبب شرب هذه الخمر. فعن هنا بمعنى باء السببية.
قوله: وَلا يُنْزِفُونَ أي: ولا تذهب الخمر عقولهم، كما تفعل خمر الدنيا بشاربيها، مأخوذ من النزف، بمعنى اختلاط العقل.
وقوله: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ أي: ويطاف عليهم بفاكهة يتلذذون بأكلها، وهذه الفاكهة تأتيهم من كل نوع، على حسب ما يريدون ويشتهون.
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ مما يحبونه ويختارونه من هذه اللحوم الطيبة المحببة إلى النفوس، يطاف عليهم به - أيضا - وقوله: وَحُورٌ عِينٌ معطوف على قوله وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أي: ويطوف عليهم - أيضا - نساء عيونهن شديدة البياض والسواد في سعة وجمال.
وهؤلاء الحور العين كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ أي: يشبهن اللؤلؤ المكنون الذي لم تلمسه الأيدى، في صفاء بياضهن، وفي شدة جمالهن.
وقوله - سبحانه -: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بيان للأسباب التي أوصلتهم إلى هذا النعيم الكبير ..
ولفظ جَزاءً منصوب على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف، أي: أعطيناهم هذا العطاء الجزيل، جزاء مناسبا بسبب ما كانوا يعملونه في الدنيا من أعمال صالحة.
قوله - تعالى -: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً تتميم للنعم التي أنعم - سبحانه - عليهم بها في الجنة.