نَقُولُ: لَمَّا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُجْرِمِ إِنَّهُ يَطُوفُ بَيْنَ نَارٍ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ، وَهُمَا نَوْعَانِ ذَكَرَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْخَائِفُ جَنَّتَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ مَا ذَكَرَ فِي حَقِّ الْمُجْرِمِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّهُمْ يَطُوفُونَ فَيُفَارِقُونَ عَذَابًا وَيَقَعُونَ فِي الْآخَرِ، وَلَمْ يقل: هاهنا يَطُوفُونَ بَيْنَ الْجَنَّتَيْنِ بَلْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مُلُوكًا وَهُمْ فِيهَا يُطَافُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُطَافُ بِهِمُ، احْتِرَامًا لَهُمْ وَإِكْرَامًا فِي حَقِّهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [الرعد: 35] وقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ) [الذاريات: 15] أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْجَنَّةَ وَالْجَنَّاتِ، فَهِيَ لِاتِّصَالِ أَشْجَارِهَا وَمَسَاكِنِهَا وَعَدَمِ وُقُوعِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا كَمَهَامِّهِ وَقِفَارٍ صَارَتْ كَجَنَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِسِعَتِهَا وَتَنَوُّعِ أَشْجَارِهَا وَكَثْرَةِ مَسَاكِنِهَا كَأَنَّهَا جَنَّاتٌ، وَلِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا تَلْتَذُّ بِهِ الرُّوحُ وَالْجِسْمُ كَأَنَّهَا جَنَّتَانِ، فَالْكُلُّ عائد إلى صفة مدح.
(ذَواتا أَفْنانٍ(48) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (49)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ تُمْدَحُ بِالْأَفْنَانِ وَالْجَنَّاتُ فِي الدُّنْيَا ذَوَاتُ أَفْنَانٍ كَذَلِكَ؟
نَقُولُ: فِيهِ وَجْهَانِ: