وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْخَشْيَةَ تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ الشَّيْخَ لِلسَّيِّدِ وَالرَّجُلِ الْكَبِيرِ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ مَعْنَى الْعَظَمَةِ فِي خ ش ي، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْخَوْفِ: (لا تَخَفْ سَنُعِيدُها) [طه: 21] لَمَّا كَانَ الْخَوْفُ يُضْعِفُ فِي مُوسَى، وَقَالَ: (لَا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ) [العنكبوت: 33] وقال: (فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) [الشعراء: 14] وقال (إني خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي) [مَرْيَمَ: 5] وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تقاليب خ وف فَإِنَّ قَوْلَكَ خَفِيَ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَالْخَافِي فِيهِ ضُعْفٌ وَالْأَخْيَفُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَاللَّهُ تَعَالَى مَخُوفٌ وَمَخْشِيٌّ، وَالْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ خَائِفٌ وَخَاشٍ، لِأَنَّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ رَآهَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ فَهُوَ خَائِفٌ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ رَآهَا فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ فَهُوَ خَاشٍ، لَكِنَّ دَرَجَةَ الْخَاشِي فَوْقَ دَرَجَةِ الْخَائِفِ، فَلِهَذَا قَالَ: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) جَعَلَهُ مُنْحَصِرًا فِيهِمْ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ فَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَقَدَّرُوا أَنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْهُمْ جَمِيعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْحَوَائِجِ لَا يَتْرُكُونَ خَشْيَتَهُ، بَلْ تَزْدَادُ خَشْيَتُهُمْ، وَأَمَّا الَّذِي يَخَافُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُفْقِرُهُ أَوْ يَسْلُبُ جَاهَهُ، فَرُبَّمَا يَقِلُّ خَوْفُهُ إِذَا أَمِنَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) وَإِذَا كَانَ هَذَا لِلْخَائِفِ فَمَا ظَنُّكَ بِالْخَاشِي؟
الثَّالِثَةُ: لَمَّا ذَكَرَ الْخَوْفَ ذَكَرَ الْمَقَامَ، وَعِنْدَ الْخَشْيَةِ ذَكَرَ اسْمَهُ الْكَرِيمَ فَقَالَ: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ) وَقَالَ: (لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «خَشْيَةُ اللَّهِ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ»
لِأَنَّهُ يَعْرِفُ رَبَّهُ بِالْعَظَمَةِ فَيَخْشَاهُ.