وَثَانِيهِمَا: مَعْنَاهُ قريب من المعنى قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [الْأَنْعَامِ: 164] كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ مُذْنِبٌ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي (ذَنْبِهِ) إِنْ عَادَ إِلَى أَمْرٍ قَبْلَهُ يَلْزَمُ اسْتِحَالَةُ مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْمَعْنَى بَلْ يَلْزَمُ فَسَادُ الْمَعْنَى رَأْسًا لِأَنَّكَ إذا قلت: لا يسأل مَسْئُول وَاحِدٌ أَوْ إِنْسِيٌّ مَثَلًا عَنْ ذَنْبِهِ فَقَوْلُكَ بَعْدُ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ، يَقْتَضِي تَعَلُّقَ فِعْلٍ بِفَاعِلَيْنِ وَإِنَّهُ مُحَالٌ؟
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَفْرِضَ عَائِدًا وَإِنَّمَا يُجْعَلُ بِمَعْنَى الْمُظْهَرِ لَا غَيْرُ وَيُجْعَلُ (عَنْ ذَنْبِهِ) كَأَنَّهُ قَالَ: عَنْ ذَنْبِ مُذْنِبٍ.
ثَانِيهِمَا: وَهُوَ أَدَقُّ وَبِالْقَبُولِ أَحَقُّ أَنْ يُجْعَلَ مَا يَعُودُ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ قَبْلَ الْفِعْلِ فَيُقَالُ: تَقْدِيرُهُ فَالْمُذْنِبُ يَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ.
* كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قوله تَعَالَى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الْحِجْرِ: 92] وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ قوله تَعَالَى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) [الصافات: 24] ؟
نَقُولُ: عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْهُورِ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْآخِرَةِ مَوَاطِنَ، فَلَا يُسْأَلُ فِي مَوْطِنٍ، وَيُسْأَلُ فِي مَوْطِنٍ.
وَثَانِيهِمَا: وَهُوَ أَحْسَنُ لَا يُسْأَلُ عن فعله
أَحَدٌ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ يُسْأَلُ بِقَوْلِهِ: لِمَ فَعَلَ الْفَاعِلُ فَلَا يُسْأَلُ سُؤَالَ اسْتِعْلَامٍ، بَلْ يُسْأَلُ سُؤَالَ تَوْبِيخٍ.
وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى بَيَانِ الْجَمْعِ.
وَالثَّانِيَةُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي بَيَانِ عَدَمِ السُّؤَالِ؟
نَقُولُ: عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْهُورِ فَائِدَتُهُ التَّوْبِيخُ لَهُمْ كقوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) [عَبَسَ: 40، 41] وَقوله تَعَالَى: (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) [آلِ عِمْرَانَ: 106]