(وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ(7)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْعِلْمُ لَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ نِعْمَةً عَظِيمَةً، وَأَمَّا الْمِيزَانُ فَمَا الَّذِي فِيهِ مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي بِسَبَبِهَا يُعَدُّ فِي الآلاء؟
نقول: النفوس تأبى الْغُبْنَ وَلَا يَرْضَى أَحَدٌ بِأَنْ يَغْلِبَهُ الْآخَرُ وَلَوْ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، وَيَرَى أَنَّ ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِهِ فَلَا يَتْرُكُهُ لِخَصْمِهِ لِغَلَبَةٍ، فَلَا أَحَدَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ خَصْمَهُ يَغْلِبُهُ فَلَوْلَا التَّبْيِينُ ثُمَّ التَّسَاوِي لَأَوْقَعَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ النَّاسِ الْبَغْضَاءَ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْجَهْلِ وَزَوَالِ الْعَقْلِ وَالسُّكْرِ، فَكَمَا أَنَّ الْعَقْلَ وَالْعِلْمَ صَارَا سَبَبًا لِبَقَاءِ عِمَارَةِ الْعَالَمِ، فَكَذَلِكَ الْعَدْلُ فِي الْحِكْمَةِ سَبَبٌ، وَأَخَصُّ الْأَسْبَابِ الْمِيزَانُ فَهُوَ نِعْمَةٌ كَامِلَةٌ وَلَا يُنْظَرُ إِلَى عَدَمِ ظُهُورِ نِعْمَتِهِ لِكَثْرَتِهِ وَسُهُولَةِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ كَالْهَوَاءِ وَالْمَاءِ اللَّذَيْنِ لَا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما.
(أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ(8)
«فَإِنْ قِيلَ» : لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْوَزْنَ، لَقَالَ: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْوَزْنِ؟
نَقُولُ: لَوْ قَالَ فِي الْوَزْنِ لَظُنَّ أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْوَزْنِ لِلْغَيْرِ لَا بِالِاتِّزَانِ لِلنَّفْسِ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الْآلَةِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْطِيَ لَوْ وَزَنَ وَرَجَّحَ رُجْحَانًا ظَاهِرًا يَكُونُ قَدْ أَرْبَى، وَلَا سيما في الصرف وبيع المثل.