[1057] فإن قيل: كيف قال تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ) [الرحمن: 31] ، والله تعالى لا يشغله شيء؟
قلنا: قال الزّجّاج: الفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما الفراغ من شغل، والآخر القصد للشيء والإقبال عليه، وهو تهديد ووعيد، ومنه قولهم: سأتفرغ لفلان، أي سأجعله قصدي؛ فمعنى الآية سنقصد لعقابكم وعذابكم وحسابكم.
[1058] فإن قيل: كيف وعد سبحانه الخائف جنتين فقط؟
قلنا: لأن الخطاب للثقلين، فكأنه قيل لكل خائفين من الثقلين جنتان، جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني. وقيل: المراد به أن لكل خائف جنتين، جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي. وقيل: جنة يثاب بها، وجنة يتفضل بها عليه زيادة لقوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) [يونس: 26] أي الجنة وزيادة.
[1059] فإن قيل: كيف قال تعالى: (فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ) [الرحمن: 55] ولم يقل فيهما، والضمير للجنتين؟
قلنا: الضمير لمجموع الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة وغيرهما مما سبق ذكره. وقيل: هو للجنتين، وإنما جمعه لاشتمال الجنتين على قصور ومنازل. وقيل: الضمير للمنازل والقصور التي دلّ عليها ذكر الجنتين. وقيل: الضمير لمجموع الجنان التي دل عليها ذكر الجنتين. وقيل: الضمير عائد إلى الفرش، لأنها أقرب؛ وعلى هذا القول «في» بمعنى على، كما في قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) [الطور: 38] .
[1060] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) [الرحمن: 56] أي لم يفتضهن، ونساء الدّنيا لا يفتضهن الجان، فما فائدة تخصيص الحور بذلك؟
قلنا: معناه أن تلك القاصرات الطرف إنسيات للإنس وجنيات للجن، فلم يطمث الإنسيات إنسي، ولا الجنيات جني، وهذه الآية دليل على أن الجن يواقعون كما يواقع الإنس.
وقيل: فيها دليل على أن الجني يغشى الإنسية في الدّنيا. انتهى انتهى. {أنموذج جليل صـ 498 - 501} .