وقال الحسن رحمه الله تعالى: علم الله من كل نفس ما هي صانعة، إلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، ولا تطهروها من الآثام، ولا تمدوحها بحسن الأعمال. لأن كل واحد من التخلية والتحلية إنما يعتد به إذا كان خالصًا لله تعالى، وإذا كان هو أعلم بأحوالكم منكم فأيُّ حاجة إلى التزكية.
وأما من زكاه الغير، ومدحه فقد ورد فيه"احثوا في وجه المداحين - أي: الذين يمدحون بما ليس في الممدوح - التراب"على حقيقته، أو مجاز عن ردهم عن المدح، لئلا يغتر الممدوح فيتجبر. وقيل: المراد به: أن لا يعطوهم شيئًا لمدحهم. أو معناه: الأمر بدفع المال إليهم لينقطع لسانهم، ولا يشتغلوا بالهجو، وفيه إشارة إلى أن المال حقير في الواقع كالتراب.
قال أبو الليث في"تفسيره": المدح على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يمدحه في وجهه، فهو الذي نهى عنه.
والثاني: أن يمدحه في غير حضرته، ويعلم أنه يبلغه فهذا أيضًا منهي عنه.
والثالث: مدح يمدحه في حال غيبته، وهو لا يبالي بلغه أم لم يبلغه، ومدح يمدحه بما هو فيه فلا بأس بهذا، انتهى. وأمَّا المدح بعد الموت فلا بأس إذا لم يجاوز الحد، كالروافض في مدح أهل البيت.
وجملة قوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} المعاصي جميعًا، مستأنفة مقرّرة للنهي ومشعرة بأن فيهم من يتقيها بأسرها. وقيل: كان ناس يعملون أعمالًا حسنة، ثم يقولون: صلاتنا، وصيامنا، وحجنا، فنزلت فيهم هذه الآية، وهذا إذا كان بطريق الإعجاب أو الرياء أو السمعة. فأما من اعتقد أن ما عمله من الأعمال الصالحة من الله تعالى، وبتوفيقه وتأييده، ولم يقصد به التمدح لم يكن من المزكين أنفسهم. فإن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر.
ومعنى الآية: هو سبحانه وتعالى بصير بأحوالكم، علبم بأقوالكم وأفعالكم، حين ابتدأ خلقكم من التراب، وحين صوركم في الأرحام على أطوار مختلفة وصور شتى. {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} ؛ أي: فإذا علمتم ذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة من المعاصي، أو بزكاة العمل وزيادة الخير، بل اشكروا على فضله ومغفرته. فهو العليم بمن اتقى المعاصي، ومن ولغ فيها، ودن نفسه باجتراحها.