وثبةً شديدةً ، فعُوتبَ في ذلكَ ، فقالَ: هذه جوارحُ حفظناهَا عن المعاصِي في
الصِّغر ، فحفظَهَا اللَّهُ علينا في الكبرِ.
وعكسُ هذا: أن بعضَ السلف رأى شيخًا يسألُ الناسَ ، فقالَ: إن هذا
ضيَّع اللَّهَ في صغرِه ، فضيَّعهُ اللَّهُ في كبره.
وقد يحفظُ اللَّهُ العبدَ بصلاحِهِ بعدَ موتِهِ في ذريَته ، كَما قِيل في قولِه
تعالى: (وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا) : إنَّهما حُفظا بصلاح أبيهما.
قال سعيدُ بن المسيب لابنِهِ: لأزيدن في صلاتِي مِن أجلكَ ، رجاءَ أن
أُحفظَ فيكَ ، ثم تلا هذه الآية: (وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا) .
وقالَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: ما منْ مؤمنٍ يموتُ إلا حفظَهُ اللَّهُ في عقبِهِ وعقبِ عقبهِ.
وقال ابنُ المنكدرِ: إن اللَّهَ ليحفظُ بالرجلِ الصالح ولدَه وولدَ ولده
والدويراتِ التي حولَهُ ، فما يزالونَ في حفظٍ من اللَّهِ وسترٍ.
ومتى كانَ العبدُ مشتغلاً بطاعةِ اللَّهِ ، فإن اللَّهَ يحفظُهُ في تلكَ الحالِ ، وفي
"مسندِ الإمامِ أحمدَ"عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ:
"كانتِ امرأةٌ في بيتٍ ، فخرجتْ في سريَّة من المسلمينَ ، وتركتْ ثنتي عشرة عنزا وصيصيتها كانتْ تنسجُ بِهَا ، قالَ: ففقدتْ"
عنزًا لها وصيصيتها ، فقالتْ: يا ربِّ ، إنَّكَ قد ضَمنتَ لمنْ خرجَ في سبيلِكَ أن تحفظَ عليهِ ، وإنِّي قد فَقدتُ عنزًا من غنمِي وصيصيتِي ، وإنِّي أنشُدُكَ عنزِي وصيصيتي"."
قالَ: وجعلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يذكر شدَّة مناشدتِهَا ربَّها تباركَ وتعالَى ، قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"فأصبحت عنزُها ومثلُها ، وصيصيتُها ومثلُها".
والصيصيةُ: هي الصِّنارةُ التي يُغزلُ بها ويُنسجُ.
فمن حفظَ اللَّهَ حفظهُ اللَّهُ من كلِّ أذى.
قال بعضُ السلفِ: من اتقى اللَّهَ ، فقد حفظَ نفسَهُ ، ومن ضيَع تقواهُ ، فقد ضيَّع نفسَهُ ، واللهُ الغنيّ عنهُ.