قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(29)
فقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويهِ عن ربِّه:
"يا عبادِي إنِّي حرمتُ الظُّلمَ على نفسِي".
يعني: أنَّه منعَ نفسَهُ من الظلم لعباده ، كمَا قالَ عزَّ وجلَّ: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(29) ، وقالَ: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) .
وقال: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ) .
وقال: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) .
وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) .
وقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة) .
وقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا(112) .
والهضمُ: أن يُنقَصَ من جزاءِ حسناتِهِ ، والظُّلمُ: أن يُعاقب
بذنوبِ غيرِه ، ومثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ.
وهو مما يدلُّ على أنَّ اللَّهَ قادرٌ على الظلم ، ولكنَّهُ لا يفعلُه فضلاً منه
وجُودًا ، وكرمًا وإحسانا إلى عبادِهِ.
وقد فسرَ كثيرٌ من العلماءِ الظلمَ: بأنه وضعُ الأشياءِ في غيرِ موضِعِهَا.
وأمَّا من فسَّره بالتَّصرُّفِ فِي ملك الغيرِ بغيرِ إذنِهِ - وقد نقلَ نحوه عن إياسِ
ابنِ معاويةَ وغيرِه - فإنهم يقولون: إنَّ الظُّلْمَ مستحيلٌ عليه ، وغيرُ متصوَرٍ في حقِّه ، لأن كلَّ ما يفعلُه فهو تصرُّف في ملكه ، وبنحو ذلكَ أجابَ أبو الأسودِ
الدؤليُّ لعمران بنِ حصينٍ حين سألهُ عن القدرِ.
وخرَّج أبو داودَ ، وابنُ ماجةَ من حديث أبي سنانٍ سعيدِ بنِ سنانٍ ، عن
وهب بنِ خالدٍ الحمصيِّ ، عن ابنِ الدَّيلميًّ أنَّه سمعَ أُبيَّ بنَ كعبٍ يقولُ: لو
أنَّ اللًّهَ عذَّب أهلَ سماواتِهِ وأهلَ أرضهِ ؛ لعذَّبهُم وهو غيرُ ظالمٍ لهُم ، ولو
رحمهُم ، لكانتْ رحمتُه خيرًا لهم من أعمالِهِم.